قراءة قانونية في زمن الانتخابات: التشريع الرشيد يوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة

| رجب قاسم

في‭ ‬أجواء‭ ‬الانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬القادمة‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬يعود‭ ‬السؤال‭ ‬الأبدي‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭: ‬هل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬البرلمان‭ ‬صوت‭ ‬الأمة،‭ ‬أم‭ ‬أصبح‭ ‬مجرد‭ ‬صدى‭ ‬للسلطة؟

سؤالٌ‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬اللحظة‭ ‬السياسية،‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬الفكرة‭ ‬البرلمانية‭ ‬ذاتها،‭ ‬تلك‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬وُلدت‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تمثيل‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية‭ ‬وضبط‭ ‬أداء‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬فإذا‭ ‬بها‭ ‬—‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬العربية‭ ‬—‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬شكلٍ‭ ‬بلا‭ ‬مضمون،‭ ‬وإطارٍ‭ ‬ديمقراطيٍّ‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬جوفه‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬تسمح‭ ‬به‭ ‬القيود‭.‬

ولا‭ ‬ريب‭ ‬أن‭ ‬المتأمل‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬البرلماني‭ ‬العربي،‭ ‬والمصري‭ ‬بوجه‭ ‬خاص،‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬‮«‬الانتخابات‮»‬‭ ‬بوصفها‭ ‬إجراءً‭ ‬سياسيًا،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬القانونية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬حدود‭ ‬الفعل‭ ‬البرلماني‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬التأثير‭.‬

فالقانون‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الصندوق‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬الأمة‭ ‬صوتًا‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مؤطَّرًا‭ ‬بنظام‭ ‬تشريعي‭ ‬واقتصادي‭ ‬يُؤمِّن‭ ‬استقلال‭ ‬النائب،‭ ‬ويضمن‭ ‬نزاهة‭ ‬الممارسة‭.‬

المشهد‭ ‬البرلماني‭ ‬المصري‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬والتطبيق

منذ‭ ‬صدور‭ ‬دستور‭ ‬2014‭ ‬وما‭ ‬تلاه‭ ‬من‭ ‬قوانين‭ ‬تنظيمية،‭ ‬حاول‭ ‬المشرّع‭ ‬المصري‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لمجلس‭ ‬النواب‭ ‬بوصفه‭ ‬سلطة‭ ‬تشريعية‭ ‬ورقابية‭ ‬فقد‭ ‬منح‭ ‬الدستور‭ ‬البرلمان‭ ‬حق‭ ‬سحب‭ ‬الثقة‭ ‬من‭ ‬الحكومة،‭ ‬والموافقة‭ ‬على‭ ‬السياسة‭ ‬العامة،‭ ‬ومناقشة‭ ‬الموازنة‭ ‬العامة‭ ‬للدولة،‭ ‬وهي‭ ‬صلاحيات‭ ‬تعكس‭ ‬مبدئيًا‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬السلطتين‭ ‬التشريعية‭ ‬والتنفيذية‭.‬

لكن‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصلاحيات‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬ظلت‭ ‬حبيسة‭ ‬النصوص‭ ‬فالتوازن‭ ‬الحقيقي‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بالقوانين‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بوجود‭ ‬بيئة‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تسمح‭ ‬للنائب‭ ‬بالتحرك‭ ‬الحر،‭ ‬دون‭ ‬ضغط‭ ‬حزبي‭ ‬أو‭ ‬إداري‭ ‬أو‭ ‬مالي‭ ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬إشكالية‭ ‬المال‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬معيارًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬من‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬قبة‭ ‬البرلمان،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يغيب‭ ‬الكفاءات‭ ‬التشريعية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬ممارسة‭ ‬الرقابة‭ ‬الموضوعية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬مراكز‭ ‬بحثية‭ ‬متخصصة‭ ‬داخل‭ ‬البرلمان‭ ‬المصري،‭ ‬أسوة‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬معمول‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬اللجان‭ ‬النوعية‭ ‬إعداد‭ ‬دراسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتشريعية‭ ‬معمقة،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الجلسات‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬مناقشات‭ ‬شكلية‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬صناعة‭ ‬القانون‭ ‬بمعناه‭ ‬الحقيقي‭.‬

التجارب‭ ‬الخليجية‭ ‬بين‭ ‬الطموح

والحدود‭ ‬الدستورية

إذا‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬المشهد‭ ‬الخليجي،‭ ‬نجد‭ ‬تفاوتًا‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬صلاحيات‭ ‬المجالس‭ ‬التشريعية‭ ‬ففي‭ ‬الكويت‭ ‬مثلًا،‭ ‬يتمتع‭ ‬مجلس‭ ‬الأمة‭ ‬بصلاحيات‭ ‬واسعة‭ ‬تشمل‭ ‬استجواب‭ ‬الوزراء‭ ‬وسحب‭ ‬الثقة‭ ‬منهم،‭ ‬وهو‭ ‬نموذج‭ ‬متقدم‭ ‬نسبيًا‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬بينما‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬والسعودية‭ ‬والإمارات،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الصلاحيات‭ ‬التشريعية‭ ‬للمجالس‭ ‬محدودة‭ ‬أو‭ ‬مشتركة‭ ‬مع‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬تشهد‭ ‬تطورًا‭ ‬تدريجيًا‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬المجالس‭ ‬دورًا‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬بالقرار‭ ‬الاقتصادي‭.‬

وقد‭ ‬جاء‭ ‬مجلس‭ ‬عُمان،‭ ‬بمجلسيه‭ ‬—‭ ‬الدولة‭ ‬والشورى‭ ‬—‭ ‬ليعكس‭ ‬نموذجًا‭ ‬خاصًا‭ ‬يزاوج‭ ‬بين‭ ‬المشورة‭ ‬والتشريع‭ ‬التدريجي‭ ‬فالقانون‭ ‬العماني‭ ‬منح‭ ‬المجلس‭ ‬حق‭ ‬إبداء‭ ‬الرأي‭ ‬في‭ ‬الخطط‭ ‬التنموية‭ ‬والموازنات‭ ‬العامة،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬مشروعات‭ ‬القوانين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬فلسفة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التطوير‭ ‬المتدرج‭ ‬لا‭ ‬الصدام‭ ‬المؤسساتي،‭ ‬انسجامًا‭ ‬مع‭ ‬خصوصية‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬العماني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬والاستقرار‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬المجالس‭ ‬الخليجية‭ ‬الأخرى‭ ‬باتت‭ ‬تلعب‭ ‬دورًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ومتابعة‭ ‬برامج‭ ‬‮«‬رؤية‭ ‬2030‮»‬‭ ‬في‭ ‬السعودية،‭ ‬و«رؤية‭ ‬2040‮»‬‭ ‬في‭ ‬عُمان،‭ ‬و«رؤية‭ ‬الإمارات‭ ‬2071‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬مشاريع‭ ‬وطنية‭ ‬ضخمة‭ ‬تستدعي‭ ‬رقابة‭ ‬برلمانية‭ ‬متخصصة‭ ‬تمتلك‭ ‬أدوات‭ ‬تحليل‭ ‬اقتصادي‭ ‬وتشريعي‭ ‬دقيقة‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬يظل‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقلال‭ ‬المالي‭ ‬والسياسي‭ ‬للمجالس،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لبرلمان‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فعالًا‭ ‬وهو‭ ‬يستمد‭ ‬تمويله‭ ‬أو‭ ‬سلطته‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يراقبها‭.‬

النموذج‭ ‬الأوروبي‭..‬

التشريع‭ ‬كصناعة‭ ‬للقرار‭ ‬العام

أما‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬فتبدو‭ ‬البرلمانات‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العملية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬فالنائب‭ ‬هناك‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ممثل‭ ‬عن‭ ‬دائرة‭ ‬انتخابية،‭ ‬بل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬تشريعية‭ ‬متكاملة‭ ‬تمتلك‭ ‬أدوات‭ ‬البحث،‭ ‬والرقابة،‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭.‬

في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تمرير‭ ‬أي‭ ‬سياسة‭ ‬مالية‭ ‬دون‭ ‬موافقة‭ ‬مجلس‭ ‬العموم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الرقابة‭ ‬البرلمانية‭ ‬على‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬فعّالة‭ ‬وحقيقية‭.‬

وفي‭ ‬ألمانيا،‭ ‬يمتلك‭ ‬البوندستاغ‭ ‬لجانًا‭ ‬اقتصادية‭ ‬مستقلة‭ ‬ذات‭ ‬صلاحيات‭ ‬في‭ ‬مراجعة‭ ‬العقود‭ ‬الحكومية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وضبط‭ ‬الأداء‭ ‬المالي‭ ‬للمؤسسات‭ ‬العامة‭.‬

ما‭ ‬يميز‭ ‬التجربة‭ ‬الأوروبية‭ ‬هو‭ ‬الفصل‭ ‬الفعلي‭ ‬بين‭ ‬السلطات،‭ ‬واستقلال‭ ‬البرلمان‭ ‬كمؤسسة‭ ‬تمثل‭ ‬الشعب‭ ‬لا‭ ‬الحكومة‭ ‬ويعزز‭ ‬ذلك‭ ‬وجود‭ ‬إعلام‭ ‬حر‭ ‬ومجتمع‭ ‬مدني‭ ‬فاعل‭ ‬يراقب‭ ‬أداء‭ ‬النواب،‭ ‬ويحاسبهم‭ ‬سياسيًا‭ ‬عند‭ ‬التقصير‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للبرلمانات‭ ‬هناك‭ ‬أن‭ ‬تُسقط‭ ‬حكومات،‭ ‬أو‭ ‬تفرض‭ ‬تعديلات‭ ‬مالية‭ ‬مؤثرة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬كتصعيد‭ ‬أو‭ ‬خصومة،‭ ‬بل‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬ديناميكية‭ ‬النظام‭ ‬الديمقراطي‭ ‬ذاته‭.‬

المال‭ ‬والانتخابات‭..‬

الاقتصاد‭ ‬السياسي‭ ‬للتمثيل‭ ‬النيابي

في‭ ‬زمن‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬تُدار‭ ‬بعقلية‭ ‬السوق،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬أثر‭ ‬المال‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬البرلمانات‭.‬

فمن‭ ‬ناحية‭ ‬قانونية،‭ ‬تحاول‭ ‬التشريعات‭ ‬ضبط‭ ‬الإنفاق‭ ‬الانتخابي‭ ‬وحدوده،‭ ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬السياسي‭ ‬بات‭ ‬يلعب‭ ‬دورًا‭ ‬جوهريًا‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬إرادة‭ ‬الناخبين،‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬تحديد‭ ‬طبيعة‭ ‬المرشحين‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬خوض‭ ‬السباق‭.‬

في‭ ‬الأنظمة‭ ‬الغربية،‭ ‬تُعتبر‭ ‬الشفافية‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬الحملات‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬سياسي‭ ‬منظم‭ ‬يخضع‭ ‬للرقابة‭ ‬والمساءلة،‭ ‬وتتحمل‭ ‬الأحزاب‭ ‬مسؤولية‭ ‬الإفصاح‭ ‬المالي‭ ‬الكامل‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬فغياب‭ ‬قواعد‭ ‬صارمة‭ ‬للإفصاح‭ ‬والتمويل‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬خلل‭ ‬هيكلي،‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬البرلمان‭ ‬انعكاسًا‭ ‬—‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬—‭ ‬لموازين‭ ‬القوى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لا‭ ‬للتمثيل‭ ‬الشعبي‭ ‬الحقيقي‭.‬

وهنا‭ ‬يتضح‭ ‬الترابط‭ ‬الوثيق‭ ‬بين‭ ‬التشريع‭ ‬والاقتصاد‭: ‬فبرلمان‭ ‬بلا‭ ‬استقلال‭ ‬مالي‭ ‬هو‭ ‬برلمان‭ ‬بلا‭ ‬قرار،‭ ‬وبرلمان‭ ‬يدار‭ ‬بالمال‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يراقب‭ ‬المال‭ ‬العام‭.‬

رؤية‭ ‬قانونية‭ ‬

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للبرلمان‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬مقاعده،‭ ‬بل‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭ ‬الوطني‭ ‬فالبرلمان‭ ‬الفاعل‭ ‬ليس‭ ‬منبرًا‭ ‬للخطابة،‭ ‬بل‭ ‬مؤسسة‭ ‬تصوغ‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭ ‬وفق‭ ‬منطق‭ ‬القانون‭ ‬والاقتصاد‭ ‬معًا‭.‬

إن‭ ‬التحدي‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وسائر‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬إجراء‭ ‬الانتخابات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬بيئة‭ ‬تشريعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬برلمان‭ ‬مستقل‭ ‬ومؤثر،‭ ‬يمتلك‭ ‬أدوات‭ ‬التحليل‭ ‬والمحاسبة،‭ ‬ويعكس‭ ‬صوت‭ ‬المجتمع‭ ‬لا‭ ‬صدى‭ ‬السلطة‭.‬

ولعل‭ ‬التجربة‭ ‬الخليجية،‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬ظروفها،‭ ‬تقدم‭ ‬نموذجًا‭ ‬لتطور‭ ‬تدريجي‭ ‬نحو‭ ‬برلمان‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬التنمية،‭ ‬بينما‭ ‬التجربة‭ ‬الأوروبية‭ ‬تبقى‭ ‬المثال‭ ‬الأوضح‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬البرلمان‭ ‬القوي‭ ‬هو‭ ‬الضمانة‭ ‬الأولى‭ ‬لاقتصاد‭ ‬قوي،‭ ‬لأن‭ ‬التشريع‭ ‬الرشيد‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬للسوق،‭ ‬ويضمن‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية‭.‬

وفي‭ ‬الختام‭ ‬فإن‭ ‬الانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬القادمة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬سباقٍ‭ ‬على‭ ‬مقاعد،‭ ‬بل‭ ‬اختبارٌ‭ ‬لقدرة‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬معنى‭ ‬التمثيل‭ ‬الحقيقي،‭ ‬ومعيارٌ‭ ‬لمدى‭ ‬نضج‭ ‬التجربة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬عالمٍ‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬السياسة‭ ‬بالاقتصاد،‭ ‬والقرار‭ ‬التشريعي‭ ‬بالقرار‭ ‬المالي‭.‬

فإما‭ ‬أن‭ ‬نمتلك‭ ‬برلمانًا‭ ‬يصنع‭ ‬القرار،‭ ‬أو‭ ‬نبقى‭ ‬أسرى‭ ‬برلماناتٍ‭ ‬على‭ ‬الورق‭. ‬

 

‭* ‬مستشار‭ ‬مصري‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬عُمان