حين تراهن (آسيان) على باطنها أمام واشنطن

| عبدالله بوقس

‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬القمة‭ ‬الـ47‭ ‬لرابطة‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ (‬آسيان‭) ‬التي‭ ‬انعقدت‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور‭ ‬أواخر‭ ‬أكتوبر‭ ‬الماضي‭ ‬اجتماعًا‭ ‬سياسيا‭ ‬عاديًا،‭ ‬بل‭ ‬محطةً‭ ‬واجهت‭ ‬فيها‭ ‬دول‭ ‬آسيان‭ ‬واشنطن‭ ‬بقيادة‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬مستندةً‭ ‬إلى‭ ‬باطنها‭ ‬وما‭ ‬يختزنه‭ ‬من‭ ‬معادن‭ ‬حرجة‭ ‬أو‭ ‬نادرة‭ ‬أصبحت‭ ‬محور‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭. ‬فهذه‭ ‬العناصر‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬موارد‭ ‬طبيعية،‭ ‬بل‭ ‬مفاتيح‭ ‬سلطةٍ‭ ‬صناعيةٍ‭ ‬وتقنيةٍ‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬الأرض‭ ‬ومن‭ ‬يوجّه‭ ‬السوق‭.‬

تحت‭ ‬أقدام‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬ظاهرها،‭ ‬تختبئ‭ ‬ثروات‭ ‬كبرى،‭ ‬حيث‭ ‬تمتلك‭ ‬فيتنام‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬احتياطي‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بنحو‭ ‬22‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬متري‭ ‬بعد‭ ‬الصين،‭ ‬وتنتج‭ ‬ميانمار‭ ‬38‭ ‬ألف‭ ‬طن‭ ‬سنويًا،‭ ‬فيما‭ ‬تحتضن‭ ‬ماليزيا‭ ‬أكبر‭ ‬منشأة‭ ‬لمعالجة‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬خارج‭ ‬الأراضي‭ ‬الصينية‭. ‬أما‭ ‬إندونيسيا،‭ ‬فقد‭ ‬حوّلت‭ ‬النيكل‭ ‬والكوبالت‭ ‬إلى‭ ‬عصبٍ‭ ‬لاقتصادٍ‭ ‬متحوّلٍ‭ ‬باستثماراتٍ‭ ‬تتجاوز‭ ‬130‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬وتشير‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المعادن‭ ‬سيرتفع‭ ‬بما‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬40‭ ‬و70‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2040،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬مركز‭ ‬الثقل‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬المعادن‭ ‬المستقبلية‭.‬

ولا‭ ‬عجب‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬واشنطن‭ ‬السباق‭ ‬بقوة،‭ ‬ففي‭ ‬قمة‭ ‬كوالالمبور،‭ ‬وقّعت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مذكرتي‭ ‬تفاهم‭ ‬مع‭ ‬ماليزيا‭ ‬وتايلند‭ ‬لتعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المعادن‭ ‬الحرجة،‭ ‬وذلك‭ ‬ضمن‭ ‬مساعيها‭ ‬لتنويع‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬وتقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬المعالجة‭ ‬العالمية‭. ‬وتشمل‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬مجالات‭ ‬الاستكشاف‭ ‬والتعدين‭ ‬والتكرير‭ ‬والمعالجة‭ ‬المتقدمة،‭ ‬في‭ ‬إشارةٍ‭ ‬إلى‭ ‬تحوّلٍ‭ ‬نوعي‭ ‬في‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬الأميركية‭ ‬من‭ ‬الاستيراد‭ ‬إلى‭ ‬الإنتاج‭ ‬المشترك‭ ‬داخل‭ ‬آسيا‭.‬

أبرز‭ ‬ما‭ ‬كشفته‭ ‬مذكرات‭ ‬التفاهم‭ ‬هذه،‭ ‬هو‭ ‬نجاح‭ ‬دول‭ ‬آسيان‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬اتفاق‭ ‬المعادن‭ ‬الحرجة‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬لاستقلالها‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬إذ‭ ‬اشترطت‭ ‬على‭ ‬واشنطن‭ ‬إقامة‭ ‬مشاريع‭ ‬المعالجة‭ ‬داخل‭ ‬أراضيها،‭ ‬ونالت‭ ‬تمويلاً‭ ‬وتقنيات‭ ‬أميركية‭ ‬دون‭ ‬التزامات‭ ‬مالية،‭ ‬مع‭ ‬احتفاظها‭ ‬بحرية‭ ‬التصدير‭ ‬لشركاء‭ ‬متعدّدين،‭ ‬وإدراج‭ ‬معايير‭ ‬الاستدامة‭ ‬البيئية‭ ‬والحوكمة‭. ‬وبهذا‭ ‬التوازن‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬تمكّنت‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬مواردها‭ ‬إلى‭ ‬نفوذٍ‭ ‬تفاوضيٍّ‭ ‬يمنحها‭ ‬موقعًا‭ ‬متقدمًا‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬المعادن‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬التحوّل،‭ ‬يبرز‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬كلاعبٍ‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬المعادن‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬باحثًا‭ ‬عن‭ ‬موطئ‭ ‬قدمٍ‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬آسيا‭. ‬فبفضل‭ ‬فوائضه‭ ‬المالية‭ ‬وخبراته‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الطاقة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬شراكاتٍ‭ ‬إنتاجيةٍ‭ ‬مع‭ ‬دولٍ‭ ‬كماليزيا‭ ‬وإندونيسيا‭ ‬وفيتنام،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬له‭ ‬التحوّل‭ ‬من‭ ‬اقتصادٍ‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعًا‭ ‬قائمٍ‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والمعادن‭ ‬المتقدمة،‭ ‬حيث‭ ‬تلتقي‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الخليجية‭ ‬بالصناعات‭ ‬الآسيوية‭.‬

وهكذا،‭ ‬كشفت‭ ‬قمة‭ ‬كوالالمبور‭ ‬أن‭ ‬رهان‭ ‬آسيان‭ ‬على‭ ‬باطنها‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬شعارًا،‭ ‬بل‭ ‬مسارًا‭ ‬عمليًا‭ ‬نحو‭ ‬استقلالٍ‭ ‬اقتصاديٍ،‭ ‬تنتظر‭ ‬مشاركة‭ ‬الخليج،‭ ‬في‭ ‬زمنٍ‭ ‬تُعاد‭ ‬فيه‭ ‬صياغة‭ ‬النفوذ‭ ‬بهدوءٍ‭ ‬آسيوي‭.‬

 

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور