لوجه الله

من كتبة الوحي إلى كتبة التاريخ

| أسامة مهران

‭ ‬لم‭ ‬تدر‭ ‬رأسي‭ ‬مثلما‭ ‬دارت‭ ‬وأنا‭ ‬أقرأ‭ ‬“المدخل”،‭ ‬فقط‭ ‬المدخل‭ ‬لكتاب‭ ‬السفير‭ ‬المصري‭ ‬الأسبق‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬والمفكر‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬أشرف‭ ‬عقل،‭ ‬لم‭ ‬يختلط‭ ‬الحابل‭ ‬بالنابل‭ ‬وأنا‭ ‬أحاول‭ ‬القراءة‭ ‬“النهارية”‭ ‬وليست‭ ‬الليلية‭ ‬في‭ ‬مؤلفه‭ ‬“القدس‭.. ‬المدينة‭ ‬والقضية”،‭ ‬ولم‭ ‬تتشابه‭ ‬عليَّ‭ ‬الوجوه‭ ‬وأنا‭ ‬أحاول‭ ‬العثور‭ ‬ضمن‭ ‬حفريات‭ ‬التاريخ‭ ‬البعيد‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬مؤكدة‭ ‬لتأصيل‭ ‬جذور‭ ‬المدينة‭ ‬المقدسة،‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬“صخرة‭ ‬القبة”‭ ‬أو‭ ‬قبة‭ ‬الصخرة‭ ‬حيث‭ ‬حط‭ ‬البراق‭ ‬في‭ ‬استراحة‭ ‬قصيرة‭ ‬عندما‭ ‬أسريَ‭ ‬بالنبي‭ ‬محمد‭ ‬عليه‭ ‬أفضل‭ ‬الصلوات‭ ‬وأزكى‭ ‬السلام‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعرج‭ ‬به‭ ‬“جبرائيل”‭ ‬إلى‭ ‬سدرة‭ ‬المنتهى،‭ ‬ويعود‭ ‬إلى‭ ‬فراشه‭ ‬آمنًا‭ ‬مطمئنًا،‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬الحدث‭ ‬العظيم‭.‬

دارت‭ ‬رأسي‭ ‬وأنا‭ ‬مازلت‭ ‬أبحث‭ ‬فيما‭ ‬قرأت‭ ‬وما‭ ‬شاهدت،‭ ‬وما‭ ‬تخيلته‭ ‬من‭ ‬أزمنة‭ ‬سحيقة‭ ‬ذهب‭ ‬بي‭ ‬إليها‭ ‬المؤلف‭ ‬أشرف‭ ‬عقل،‭ ‬بالتحديد‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬سنة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء،‭ ‬بتحديد‭ ‬أكثر‭ ‬ليثبت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬المباركة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أبدًا‭ ‬لليهود‭ ‬حيث‭ ‬يدعون،‭ ‬ولا‭ ‬للصهاينة‭ ‬حيث‭ ‬يفتشون‭ ‬عن‭ ‬“الهيكل‭ ‬المزعوم”،‭ ‬ولا‭ ‬لنتنياهو‭ ‬وأتباعه‭ ‬وهم‭ ‬يصولون‭ ‬ويجولون‭ ‬ملطخين‭ ‬أماكن‭ ‬المصلين‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬“صخرة‭ ‬القبة”‭ ‬والمسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬موضعًا‭ ‬لراحة‭ ‬البراق‭ ‬وما‭ ‬عليه،‭ ‬وأقصانا‭ ‬الذي‭ ‬“باركنا‭ ‬من‭ ‬حوله”‭.‬

السفير‭ ‬أشرف‭ ‬عقل‭ ‬جاء‭ ‬ليضرب‭ ‬ادعاءات‭ ‬الصهاينة‭ ‬المعاصرين‭ ‬في‭ ‬مقتل،‭ ‬عندما‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المقدسات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬لهم،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين‭ ‬المباركة،‭ ‬أشرف‭ ‬عقل‭ ‬أقام‭ ‬الحجة‭ ‬والبرهان‭ ‬والدليل‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تسول‭ ‬له‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬يدعي‭ ‬بأن‭ ‬له‭ ‬أرضًا‭ ‬في‭ ‬أرضنا،‭ ‬أو‭ ‬هيكلاً‭ ‬تحت‭ ‬جدران‭ ‬مساجدنا،‭ ‬أو‭ ‬مبكى‭ ‬يحج‭ ‬إليه‭ ‬الموصومون‭ ‬بالاحتلال‭ ‬والدمار‭ ‬والتيه‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬موسى‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬حتى‭ ‬وقتنا‭ ‬هذا‭.

رغم‭ ‬الفارق‭ ‬الزمني‭ ‬والمعنوي‭ ‬والعقائدي‭ ‬في‭ ‬المشبه‭ ‬والمشبه‭ ‬به،‭ ‬في‭ ‬الصفة‭ ‬والموصوف‭ ‬بتلك‭ ‬الهيئة‭ ‬التي‭ ‬أصبح‭ ‬عليها‭ ‬مسجدنا‭ ‬الأقصى‭ ‬والسفير‭ ‬عقل‭ ‬يتجول‭ ‬أمامه‭ ‬وداخله‭ ‬وحول‭ ‬بواباته‭ ‬متعددة‭ ‬الأسماء‭ ‬والمناقب‭ ‬ومراكز‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬أحاطت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬جانب،‭ ‬وحتى‭ ‬أسماء‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬اقترنت‭ ‬بها‭ ‬وناهزت‭ ‬عشرات‭ ‬الأسماء‭ ‬التي‭ ‬استمدت‭ ‬من‭ ‬بناة‭ ‬أو‭ ‬أسماء‭ ‬للغزاة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬صراع‭ ‬مختلف‭ ‬الحضارات‭ ‬على‭ ‬المدينة‭ ‬المباركة،‭ ‬تمامًا‭ ‬مثلما‭ ‬يظهر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬الكنعانية‭ ‬والفارسية‭ ‬واليونانية‭ ‬والرومانية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬حيث‭ ‬تمت‭ ‬تسميتها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بـ‭ ‬“حصن‭ ‬بيوس”‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬البيوسيين،‭ ‬و”يورشالم”‭ ‬ويعني‭ ‬الإله‭ ‬الكنعاني‭ ‬ومعناه‭ ‬السلام،‭ ‬ثم‭ ‬“أورسالم”‭ ‬وهو‭ ‬أيضًا‭ ‬اسم‭ ‬كنعاني‭ ‬يعني‭ ‬أيضًا‭ ‬السلام،‭ ‬ثم‭ ‬“ساليم‭ ‬وشاليم”‭ ‬وهما‭ ‬اسمان‭ ‬كنعانيان‭ ‬ويعنيان‭ ‬السلام،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تم‭ ‬تسميتها‭ ‬مدينة‭ ‬داوود‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬داوود‭ ‬عليه‭ ‬السلام،‭ ‬ثم‭ ‬مدينة‭ ‬الله‭ ‬إلى‭ ‬“إيليا‭ ‬كابيتو”‭ ‬وهو‭ ‬الاسم‭ ‬الأول‭ ‬للامبراطور‭ ‬الروماني‭ ‬“هدريان”‭ ‬عام‭ ‬135م،‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬الروماني،‭ ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬“يابيتي”‭ ‬وهو‭ ‬اسم‭ ‬فرعوني‭ ‬باللغة‭ ‬الهيروغليفية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تمت‭ ‬تسميتها‭ ‬ببيت‭ ‬المقدس‭ ‬ثم‭ ‬القدس‭ ‬الشريف‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭.‬

هذه‭ ‬الأسماء‭ ‬كلها‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬مكانة‭ ‬القدس‭ ‬لدى‭ ‬الأمم‭ ‬والحضارات،‭ ‬وعند‭ ‬مختلف‭ ‬العقائد‭ ‬والأصول‭ ‬والديانات،‭ ‬أما‭ ‬القضية‭ ‬فتلك‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬منذ‭ ‬الألف‭ ‬الخامس‭ ‬والرابع‭ ‬والثالث‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬القبائل‭ ‬التي‭ ‬هاجرت‭ ‬إليها‭ ‬مؤكدة‭ ‬وجود‭ ‬الجنس‭ ‬العربي‭ ‬فيها‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬الكشوف‭ ‬الأثرية،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬شملت‭ ‬الهجرة‭ ‬قوافل‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬من‭ ‬العموريين‭ ‬والكنعانيين‭ ‬والبيوسيين‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬شرق‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬حيث‭ ‬اكتشف‭ ‬العالم‭ ‬الأثري‭ ‬Ab‭. ‬Tomas‭ ‬الأستاذ‭ ‬بجامعة‭ ‬إيرلندا‭ ‬الشمالية‭ ‬آثار‭ ‬البيوسيين‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬القدس‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬مجيء‭ ‬العبرانيين‭ ‬بنحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬عام‭.‬

هنا‭ ‬يصبح‭ ‬الإسراء‭ ‬مع‭ ‬كتاب‭ ‬“القدس‭ .. ‬المدينة‭ ‬والقضية”‭ ‬بمثابة‭ ‬رحلة‭ ‬سماوية‭ ‬عبر‭ ‬الزمن،‭ ‬وليست‭ ‬تلك‭ ‬الرحلات‭ ‬البحرية‭ ‬التي‭ ‬قادها‭ ‬“كريستوفر‭ ‬كولومبوس”‭ ‬أو‭ ‬“ماجلان”‭ ‬أو‭ ‬“أميريجو‭ ‬فيسبوتشي”‭ ‬باحثًا‭ ‬عن‭ ‬أرض‭ ‬الله‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬سميت‭ ‬باسمه‭ ‬عندما‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬إحدى‭ ‬جنان‭ ‬الخالق‭ ‬ووسط‭ ‬شعوب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬للجنس‭ ‬الأبيض‭ ‬فيها‭ ‬أي‭ ‬أثر‭. ‬يتبع‭.‬

 

*كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية