ليس من رأى كمن سمع
| زهير توفيقي
يُقال “ليس من رأى كمن سمع”، وحقًا لا يدرك الإنسان قيمة الخدمة إلا عندما يراها بعينه ويعيش تفاصيلها بنفسه. هذا ما شعرت به خلال زيارتي الأخيرة لأحد المراكز الصحية في البحرين، حيث رأيت مستوى من التنظيم والدقة يبعث الفخر والاطمئنان، ويعكس صورة مشرّفة للقطاع الصحي في بلادنا. وإحقاقًا للحق فإن هذا الانطباع الإيجابي سمعته أيضًا من قبل عدد من الأشخاص من الأهل والأصدقاء وعن مراكز صحية أخرى، ما يؤكد صحة وجهة نظري الشخصية.
فمنذ اللحظة الأولى، يلمس المراجع مدى الحرص على راحته. فحجز المواعيد يتم بسهولة عبر تطبيقات الهواتف الذكية في لحظات، والاستقبال يتم بابتسامة ولباقة، والتنظيم الداخلي يعكس نظامًا مدروسًا يضع المريض في مقدمة الأولويات. أما بيئة العمل داخل المركز، فهي تُشعر الزائر بأنه في مكان يليق بالإنسان، من حيث مستوى النظافة، وجمال المبنى، والعناية بالتفاصيل التي تمنح المراجع شعورًا بالراحة والطمأنينة. فالمكان لا يؤدي وظيفة فحسب، بل يزرع الثقة في نفوس مرتاديه.
كما أن الوصول إلى الأطباء وأخذ المواعيد في مواعيد دقيقة وبسهولة ومن دون تأخير، مع توافر الأدوية في الصيدلية. ناهيك عن أن إجراء الفحوصات المختبرية يتم بمهنية وسرعة وبدون مقابل، والذي يتردد على المستشفيات الخاصة يعلم تمامًا كم تكلف هذه الخدمات. لذا فإن كل هذه العوامل تجعلنا نقف احترامًا وتقديرًا أمام هذا الجهد الكبير والمنظومة المتكاملة التي تعمل بانسجام وتنسيق عالٍ. ولا يمكننا هنا إغفال الدور الكبير الذي تقوم به الكوادر الطبية والتمريضية والإدارية، فهم الواجهة الإنسانية لهذا العمل الوطني النبيل. يتعاملون مع المراجعين بصدر رحب، يستمعون، يوجهون، ويقدمون الخدمة بروحٍ من المسؤولية والإخلاص التي تجعل المريض يشعر بأنه بين أيادٍ أمينة.
إن ما نراه اليوم من تطور في مستوى الخدمات الصحية الأولية لم يأتِ صدفة، بل هو ثمرة دعم واهتمام القيادة الرشيدة، وتخطيط وجهود متواصلة من وزارة الصحة التي حرصت على تطوير المراكز وتزويدها بأحدث الأنظمة، إلى جانب الاستثمار في تدريب الكوادر البحرينية وتأهيلها لتقديم أفضل الخدمات.
هذه الصورة المشرقة للمراكز الصحية في البحرين تمثل نموذجًا متقدمًا في الإدارة والانضباط، وتؤكد أن العمل المؤسسي المنظم هو السبيل الحقيقي للتميز والإتقان. إنه عمل يستحق كل الإشادة، لأنه يعكس قيم الإخلاص والانتماء، ويترجم معنى الخدمة العامة بأبهى صورها.
شاءت الصدف وأنا أكتب هذا المقال، أن قرأت خبرًا جديرًا بالاهتمام في جريدة “البلاد” عن أن وزارة الصحة بادرت بإطلاق مبادرة رائعة تسمى “قاموس الأمراض” الإلكتروني. هذه المبادرة الرقمية تهدف إلى ترسيخ الوعي الصحي لدى المجتمع البحريني، وتعريف الأفراد بأبرز الأمراض المنتشرة في العالم وطرق الوقاية والعلاج منها، ضمن نهج الوزارة في جعل المعرفة الصحية في متناول الجميع بطريقة مبسطة وواضحة.
كما تقدّم المنصة، المتاحة عبر الموقع الرسمي لوزارة الصحة، قاعدة بيانات موسعة لمئات الأمراض، مصنفة وفق أجهزة الجسم الحيوية، حيث يمكن للمستخدم التنقل بسهولة بين الأمراض المعدية وغير المعدية، وأمراض الجهاز الهضمي،
والعصبي والحركي، والدم والغدد والشيخوخة، والعين، والأنف والأذن والحنجرة والسرطانات، والقلب والدورة الدموية، وغيرها من الفئات الطبية الدقيقة.
كما ويوفر القاموس تفاصيل علمية مبسطة لكل مرض، تشمل الأعراض، والأسباب، وطرق العدوى إن وجدت، وأساليب الوقاية، وملاحظات طبية معتمدة، ما يجعله مرجعًا وطنيًّا إلكترونيًّا يسهل على المواطنين والمقيمين الرجوع إليه عند البحث عن معلومات موثوقة، بدل الاعتماد على مصادر غير دقيقة في شبكات التواصل أو المواقع التجارية.
لا شك أن هذا المشروع يعكس التزام وزارة الصحة بتعزيز ثقافة الشراكة المجتمعية في الصحة العامة، وتحويل المواطن من متلق ٍ سلبي للمعلومة إلى طرف فاعل ومطلع، قادر على الوقاية والتعامل الواعي مع الأمراض عبر المعرفة الموثوقة والمحدثة.
الخلاصة... تحية خاصة للقائمين على هذه المبادرات الخلاقة، فهم يستحقون كل الشكر والتقدير، فبفضلهم يشعر المواطن والمقيم بأن صحته أولوية، وأن الرعاية ليست شعارًا فحسب، بل ممارسة يومية.
فشكرًا لكل طبيب وممرض وإداري وعامل يساهم في هذه المنظومة الإنسانية الرائعة، وشكرًا لكل من جعل من المراكز الصحية في مملكتنا الحبيبة نموذجًا في الخدمة والنظام والإنسانية. ولكن هذا لا يعني أننا حققنا العلامة الكاملة، فهناك الكثير من الجوانب التي يجب تحسينها وتطويرها وبالذات فيما يخص تقليل قائمة الانتظار للحصول على مواعيد مع الأطباء الاستشاريين في مستشفى السلمانية الطبي. وليس عيبًا أن نعترف بأننا مقصرون في بعض الجوانب لأسباب مختلفة، ولكن ما هو مهم هو الاستمرار في التحسين والتطوير. قال تعالى: “لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»، وفي الحديث الشريف “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”.
*كاتب وإعلامي بحريني