بين المعلم الرقمي والمتعلم الذكي.. من يملك زمام التغيير؟
| د.حورية الديري
تبدو ملامح التحول التربوي في الخليج العربي اليوم أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، حيث كثر الحديث عن إعادة تعريف دور المعلم في بيئة تعلم يهيمن عليها المتعلم الرقمي الذكي الذي يفكر بسرعة، ويتنقل بين المعارف بلمسة إصبع. ومن هذا المنطلق، جاءت ندوة “تعزيز كفاءة المعلم عبر التدريب التربوي لمواكبة المتعلم الرقمي الذكي” ضمن سلسلة العواصم التدريبية التي ينظمها المركز العربي للتدريب التربوي لدول الخليج الأسبوع الماضي بمشاركة متحدثين بارزين من مملكة البحرين، باعتبارها منعطفًا فكريًا في النقاش حول من يقود من: المعلم أم المتعلم؟ لقد طرح المتحدثون رؤى متقدمة تؤكد أن كفاءة المعلم في زمن التقنية لا تعني إتقانه الأدوات الرقمية فحسب، بل قدرته على إعادة هندسة العلاقة التربوية، فالمعلم الذي ظل لعقود مصدر المعرفة، بات اليوم مطالبًا بأن يكون مرشدًا في بحر لا نهائي من المعلومات، وموجّهًا للوعي أكثر من كونه ناقلًا للمحتوى. لكنّ المعضلة الأعمق - كما كشفتها النقاشات - تكمن في أن كثيرًا من البرامج التدريبية لا تزال تُقدَّم بمعايير الأمس لمعلم يعيش تحديات الغد. فالتدريب الذي لا يغيّر في طرائق التفكير التربوي يظل قاصرًا مهما تنوعت وسائله الرقمية، ومن هنا برزت دعوة المتحدثين إلى التحول من “التدريب المهاري” إلى “التدريب التحويلي” الذي يُعيد بناء المعلم من الداخل: فكرًا، واتجاهًا، وفلسفةً في التعليم. وربما ما يميز التجربة البحرينية التي عُرضت في الندوة هو ذلك التوازن بين الرقمنة والإنسانية، إذ تم التأكيد على أن التعليم الذكي لا ينبغي أن يُختزل في الأجهزة والمنصات، بل في بناء المتعلم القادر على التفكير النقدي والإنتاج المعرفي المسؤول.
إنها رؤية تُعيد المعلم إلى موقع القيادة، لا في إدارة الصف فقط، بل في تشكيل وعي الجيل القادم بالتقنية ذاتها. ولعل السؤال الجوهري الذي خرجت به الندوة هو: كيف نصنع معلمًا ذكيًا يواكب متعلمًا أذكى؟ الإجابة ليست في برمجيات جديدة، بل في فلسفة جديدة للتدريب، فالمعلم الرقمي لا يُصنع في قاعة تدريب، بل في ثقافة مهنية مستدامة تؤمن بالتجريب، والتأمل، والتعلم مدى الحياة. إن الندوة كشفت بوضوح أن المستقبل التربوي الخليجي لن يُبنى على مناهج رقمية فقط، بل على عقول معلمين مؤهلين لإدارة المعرفة لا لحفظها. وإذا كان المتعلم الذكي نتاج عصره، فإن المعلم الكفء هو من يصنع من هذا العصر فرصة للتفكير لا للاندهاش، وللتعلم لا للاستهلاك.
كاتبة وأكاديمية بحرينية