قراءات ليلية!
| أسامة مهران
لم يكن في الجعبة أكثر مما أدلينا به في ليالينا العصماء، ليل طويل يتسلل من النوافذ والشقوق والجدران، ذلك الذي جعلني أتلصص على حقول اللغة، وأقفز فوق المستحيل، وأكتب دون أن أدري ما ظننت أن سواي لا يكتبه، أو دوني من البشر لن يكشف أسراره وأغواره وقوافيه، فكتبت قصائدي الليلية عن طيب خاطر، وعن خوف من المجهول، ظننته سيأتيني في ليلة غبراء، واعتقدت مداهمته ولو كانت الليلة الموعودة أضغاث أحلام أو دقائق حمراء، اعتقدت أنني عندما أسهر مع “قصة الأمس” فإن السفير والمفكر المصري أشرف عقل لن يسهر معي في القصة من أولها حتى آخرها، ورميت طوق النجاة من غير رامٍ حين أتاني الليل على حين غرة وأنا ألتقي بـ “قراءات ليلية”، من أهم مؤلفات الصديق العزيز أشرف عقل - المفكر والسفير والدبلوماسي المتجاوز لجميع الحواجز، وهو يقدم لي الكتاب بإهدائي نسخة تحمل توقيعه، ومقالات كنت قد كتبتها منذ سنوات عنه وهو يمر مرور الكرام على أرض الخلود. هذه المرة جاءني “عقل” إلى مملكة البحرين التي أحبها منذ صباه، بالتحديد عندما كان يشغل منصب الملحق الدبلوماسي والسكرتير الثالث في السفارة المصرية بالبحرين منذ ثمانينيات القرن الماضي، لم تغب أرض الخلود عن مخيلته طوال الأربعين سنة الماضية، حتى وهو مشغول لأقصى حد عندما شغل منصب السفير المصري في كل من اليمن وفلسطين والبصرة، علاوةً على صولاته وجولاته في كل من سفاراتنا بمدغشقر وبلجراد وروسيا وغيرها.
كان حرص السفير أشرف شديدًا على الارتباط بالبحرين حتى بعد أن غادرها، وظل قرابة الأربعة عقود على صلة بأهلها وصداقاته الحميمية بها، وعلى رأسهم العبد لله ورجل الأعمال عبدالعزيز صدقي وغيرنا من الأحبة والأصدقاء الذين ينتمون للجالية اليمنية في البحرين، هذه الجالية التي طالما اكتسبت لديه حميمية خاصة تكتسي بالود والذكريات مع القائد الراحل الرئيس علي عبدالله صالح وغيره من الرؤساء الذين مازالت تربطه بهم صداقة تحكي عنها النخب ويتندر بها أقرب المقربين. قبل أسابيع عاد السفير أشرف محملاً بالأشواق والذكريات للبحرين وأهلها، للأصدقاء الذين مازالوا على قيد المواطنة والمحبة مع وطن هو الأول في كل شيء، ومع مواطنين هم الأحبة رغم صعوبات التكنولوجيا ووحشة الحياة الرقمية. عندما جاء لزيارة ابنته نهال في عملها شبه المستدام بالأمم المتحدة في مملكة البحرين، كان يحمل لي مع الشوق والذكرى عدة مؤلفات أهمها في نظري “قراءات ليلية”، مع التساوي والتوازي طبعًا مع ذلك المؤلف الأيقوني “القدس – المدينة – والقضية”. في قراءاتي الليلية اخترت الجمع بين الحسنيين وأخذت أتصفح كل ما جاءت به قريحة مفكرنا “عقل”، ماذا قال يا ترى في كتاباته الليلية عن القدس؟ بكل تأكيد كانت الخبرة وكان التاريخ، وبكل ثقة كانت العشرة مع الأرض المقدسة وبوابات “الأقصى” تفتح ذراعها له لكي يدخل بقدمه اليمنى حتى تعم البركة وينتشر الخير. وبالفعل، وخلال جولتي الليلية مع “قراءات ليلية” وفي أروقة “الأقصى” أول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، اكتشفت أنني أمام رحلة حادة المزاج، صعبة الميراث، عصية المنال، لأن الجمع بين الأشياء ليس كما الجمع على قاعدة الأعداد، أو ألد الأصدقاء وأخلص الأنداد، هي الروح التي تتحدث نيابة عن صاحبها فتؤلمه وتؤرقه، ثم تدفع به إلى أحضان المعنى لكي يقول كلمته إلى هؤلاء الذين يحملون في قلوبهم وعقولهم عشق الأماكن دون تكلف أو رياء، وإلى هؤلاء المدافعين عن قضاياهم العادلة بشتى السبل والطرائق، إلى هؤلاء الذين يحلمون بغدٍ أفضل لأبناء جلدتهم من البشر دون تمييز، ويسعون لبناء مجتمع تسود فيه قيم المحبة والعدل والحرية، فيدفعون أثمانًا باهظة من أجل تحقيق المستحيل، غير مبالين أو مكترثين بما قد يواجهونه من عنت وإرهاب، إلى هؤلاء فقط أهدي هذا الكتاب، إليهم وحدهم أتقدم لهم بخالص التمني بأن أكون ضيفًا خفيفًا عليهم، وصوتًا صادقًا لا يؤرق مخادعهم بقدر ما يلهب مشاعرهم، إلى أولئك وهؤلاء فقط تختلط كلماتي بإهداء الصديق، وتختلج مشاعري بمحطة الانتظار لأية إشارة بدء في “قراءات ليلية” أو من خلال القدس الشريف وليست وحدها القدس الشرقية. يتبع..
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية