خربشة ومغزى.. "الحياة لها توق ،، والتعلق بها له ميزان"

| احمد عبدالله الحسين

الحياة لها توق، والتعلق بها له ميزان، فتوق الحياة ناموس يُحرِّض ويدفع الأحياء باتصال وتكاثر، وهذا في الخلائق عامة، فترى ضروع الماشيه تمتلِئ باللبن، والبذور الصلبه المدفونه في التُّرْبة تُنبت سويقات وأعشاب وأشجار. والحياة في البشر تدوم بالنسل والأعمار في الأرض، وكذلك فيها أحوال تتبدل منها رهف ورواء، وأُخرى تكتوي بلواعج وإبتلاء، وهي تبقى في عمومها شهيّة حتى نزق المشيب إذا اِرتمي، أو عند بُلغة العقل والوقار فهي تُسكب لذة نفحات مسكيّة وإهتداء. وحينما تزيد الحياة عمقا كأنها أكثر من حياة واحدة، وهذا يكون لمن حمل شغف معرفي، ونضج وافر في تجربة، فيطول منه الأثر والتمدد، وإن كان لا يزيد مقدار حساب سِني العمر.

الحياة وعاء الإنسان لما يعيشه في دنيا  دانية مُتاحة له، فيها رغائب ومكاره، ولها ضوء مؤقت أو كشعلة عند ثقاب، له إنطفاء وأجل مُسمَّى. والتعلق بالحياة له ميزان، فحين بلوغ ذروة تمكين وقوة، ينبه المرء إلى مهارة الإحتفاظ والإقتدار على إبقاء الحال واِستمراره حتى يأمن من تبدَّل حال وزوال. ويتجنب بلاء الوهج ومآلات الخواتيم. تلك سُنّة فيها علو ودنو لا تُفرَّق بين أحد. وبدهي أن الفرح والحُبُور بالتوفيق والإنجاز عافية ونعمة، إذا تأطرت بحمد وشُكر، وتعلّم وتبصّر، واِستشراف لما بعد، وهذا ميزان تعلق يدفع ما هو قاصم ونأي من تباهي وخيلاء. ولهذا التعلق بالحياة غير مذموم لذاته، فهو صفة عيش فطرية، إنما ميزان التوسط والاعتدال هو الهدي كما جاء في التوجيه الرباني(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).

وعند ذكر مقام الإتَّزان في تعلق الحياة ندرك ما يستحق أن نناضل من أجله وما يمكننا تجاهله، وهذا جوهر حكمة هذه الحياة، فلا نخوض معارك لا تمت لحياتنا بصلة، تبعد عن مسار حقيقي، وتُحرمنا تحقيق لذة الوصول لما نطمح إليه.

هناك في مشهد الحياة حالات من أنغمس فيها، ورمى نفسه في طموح وأثرة لا منتهى له، يغويه الجاه والثراء، فيقع من حيث لا يدري في حال إنكسار وغلبِة الدَّين عليه، فيقع في إنكماش وإنزواء وإحباط ويأس، فتنهشه الأمراض لضعف مناعتة في الصبر، وتطاير شعوره في فهم القدر والقناعة في حُظُوظ موزعة.

طوبى لمن توسط وأعتدل فهمه حين التحصيل في الرزق والتعمير، وطابت نفسه بالشكر والقناعة فتكون حاله؛

خفيفة الروح لو رامت لخفتها

رقصا على الماء ما أبتلت لها قدما

ورحم الله عمرو بن العاص حيث يقول؛

لا أمل ثوبي ما وسعني، ولا أمل زوجتي ما أحسنت عشرتي، ولا أمل دابتي ما حملتني، إن المَلال من سيئ الأخلاق.

عبيد بن الأبرص وهو من أصحاب المعلقات له فهم في ميزان التعلق إذ يقول؛

فكُلُّ ذي إبِلٍ مَوْروثٌ

وكُلُّ ذي سَلْبٍ مَسْلوبُ

فكُلُّ ذي غَيْبةٍ يَؤوبُ

وغائِبُ المَوْتِ لا يَغيبُ

هكذا الموت سنَّة جارية في الحياة لا يجامل أحد، وعظة الموت أن كل ذي نعمة سيفقدها، وكل صاحب أمل الأجل يترصده، وكل ثري ورثته تأخذ ماله من بعده، وكل مغتصب لمال غيره سيأتيه من يسلبها منه، وكل غائب سيعود إلا غائب الموت لا عودة له.