محتوى تافه ونصائح أتفه

| إبراهيم النهام

أصبحت اليوم منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لكل من “هب ودب”، حتى لو كان بلا علم ومسؤولية. هذه الظاهرة ليست جديدة في التحذير منها؛ فقد قال النبي ﷺ: “تأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، وينطق فيها الرويبضة. فسألوه: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه الذي يتكلم في أمر العامة”. واليوم، نرى الرويبضة بكثرة وهم يتصدرون المشهد بقوة، وكثافة، حيث يطلّون علينا باستمرار بمحتوى تافه، ونصائح أتفه، ليزيدوا المشهد ضبابية، وزيفا، وتشويها للحقائق. الكاتب السعودي تركي الحمد عبّر عن هذه الأزمة بقوله: “أخطر ما يواجهنا اليوم ليس الجهل، بل الجهل المقنّع بالمعرفة، حين يتصدر المشهد من لا يملك أدواته”. أما الإعلامي المخضرم حمدي قنديل فقد حذّر من تحول الإعلام الحديث إلى منصة للثرثرة، حين يكتب من لا يملك ثقافة ولا مسؤولية. هذه الأصوات تكشف حجم الخطر الذي يهدد الوعي العام: آراء سطحية، وأقلام بلا تجربة، تتصدر الصفحات وتؤثر في الناس بلا ضوابط. هذا المشهد الفوضوي تسبب بأن يلمع نجم “المؤثر” الذي لا يملك سوى القدرة على جذب الانتباه، لا على تقديم قيمة حقيقية. كما قال المفكر أدونيس: حين يصبح الضجيج بديلاً عن الفكر، تتحول الثقافة إلى سوق، لا إلى رسالة. وهكذا، أصبح التريند معيارًا، لا المصداقية ولا العمق، ولا صدق المحتوى. إن مسؤولية المؤسسات الإعلامية اليوم هي غربلة هذه الأصوات، وإعادة الاعتبار للرسالة الإعلامية الرصينة التي تقوم على المعرفة والمصداقية، لا على الإثارة الزائفة. فالإعلام ليس لعبة في يد هذا وذاك، بل رسالة تحمل الحقيقة وتبني الوعي للفرد والأسرة، وفي بيئات العمل المختلفة.