الزعل والغضب... بين الملح الذي يحرق والشرارة التي تنقذ

| هلا الخباز

أحياناً مشهد صغير يأخذنا بعيداً، يوقظ في داخلنا لحظة إدراك غفلنا عنها طويلاً، تلك اللحظة التي إن أهملناها تحولت إلى تراكمات تنهش الروح. كعادتي التي باتت معروفة - وأنا أتنقّل بين منصات التواصل الاجتماعي - استوقفني لقاء مع طفلة لا تتجاوز السادسة في برنامج تلفزيوني شهير، بجانب جمالها وبراءتها، تحدثت عن موقف تنمّر تعرّضت له. سألها مقدم البرنامج: “زعلتي؟”، فأجابته بحزم بسيط وواثق: “ما زعلت.. أنا عصبت!” يا لهذه الإجابة! تفوق عمرها حكمة! فرقٌ كبير لم أفكّر فيه من قبل. بررّت أنها عصبت لأنها ردّت الإساءة وحددت لنفسها حدوداً. رفعتُ لها القبعة من كل قلبي. عندما نزعل، نضع الملح على الجرح ونصمت، نبتلع الألم كأنه قدَر، فيتراكم، وينسلّ خيط رفيع من أرواحنا مع كل خيبة، تكبر الفجوة شيئاً فشيئاً حتى تلتهم سلامنا، لكن حينما نغضب ونوقف الإساءة ونوضح حدودنا نحن ندفعها قبل أن تلامس أرواحنا وتسكنها. تلك الإجابة البريئة كشفت عن فرق كبير أغفلناه طويلًا. الزعل هو الوجه الهادئ للألم. هو الحزن المكتوم الذي نلوّنه بابتسامات خفيفة كي لا يرانا أحد ونحن ننكسر. حين نزعل نغلق الباب على وجعنا ونتركه يتخمّر داخل الروح. ومع كل موقف نتجاهله، يتكوّم في الداخل كطبقات من الملح على الجرح، أو كما قالت غادة السمان: “ما يؤلمك اليوم قد يتحوّل غدًا إلى ندبة تسكن قلبك”. الزعل لا يضع حدًا للمسيء، ولا يغيّر من وقع الكلمات وارتطامها في أعماقنا، هو يرهقنا، ويكبر معنا. هو أن نسكت عن حق النفس.. أن نتنازل عن صوتنا لصالح سلامٍ زائف، بينما الحقيقة أننا نترك الجرح مفتوحا لخيبات أكبر.  أما الغضب فهو شعور صادق، يخبرنا بأن هناك شيئًا ما تجاوز مساحتنا. هو الشرارة التي تنبّهنا إلى الخطر العاطفي. حين نغضب ونتكلم بوضوح، نحن نمنح كرامتنا فرصة لتتنفس. هناك اقتباس جميل مستوحى من مفهوم أرسطو عن الغضب العادل يقول: “اغضب.. فالغضب أحيانًا عدالة تمنح الروح حقها”. الغضب ليس دائمًا تدميرًا، بل يمكن أن يكون بناءً. ليس انفجارًا، بل حدًا يوضع كي لا ينكسر ما هو أثمن (أنفسنا) وعندما نعبّر عن غضبنا، نُطفئ المشكلة في وقتها بدل أن نحمل رمادها معنا لسنوات. أو كما قال باولو كويلو: “الغضب الذي نُعبّر عنه بصدق، أرحم من الزعل الذي يطعننا في الخفاء”. الحياة تُختصر في تلك اللحظة التي نقرّر فيها: هل نسكت ونتظاهر بالقوة بينما نحن ننزف؟ أم نغضب ونساهم في شفائنا؟ الغضب لم يُخلق ليكون عيبًا، بل رسالة تقول: أنا موجود، ولي حق، ولي حدود واضحة، الغضب فعل شجاعة، هو إعلان حب للنفس، فلنغضب بوعي ولنعلم الآخرين كيف يعاملوننا. رفعت القبعة لتلك الطفلة التي لم تسمح للحزن أن يأكل جزءًا من روحها، اختارت أن تغضب بدل أن تنزف بصمت، علمتنا درساً بأن الغضب موقف بينما الزعل استنزاف “الغضب ليس شعورًا سيئًا، السيئ هو أن نتركه يُدفن فيصنع مرارة”، كما قالت الكاتبة برينيه براون.

كاتبة ومستشارة في العلاقات العامة وصناعة الصورة الذهنية