ازدراء الأجيال

| هدى حرم

حين‭ ‬أتفاخر‭ ‬أمام‭ ‬أبنائي‭ ‬بجيل‭ ‬أجدادي‭ ‬وآبائي‭ ‬وأستعرض‭ ‬جوانب‭ ‬الجمال‭ ‬في‭ ‬جيل‭ ‬الطيبين،‭ ‬أصاب‭ ‬بالصدمة‭ ‬من‭ ‬التعليقات‭ ‬التي‭ ‬يمطرون‭ ‬بها‭ ‬جيلي‭ ‬وجيل‭ ‬آبائي‭ ‬الطيبين،‭ ‬أتعجب‭ ‬من‭ ‬جرأتهم‭ ‬على‭ ‬أجدادهم‭ ‬وآبائهم‭ ‬الذين‭ ‬يشكلون‭ ‬أصولهم‭ ‬وأساس‭ ‬وجودهم‭ ‬بعد‭ ‬الله،‭ ‬إنهم‭ ‬يشعرون‭ ‬بالخزي‭ ‬من‭ ‬أصولهم‭ ‬العريقة‭ ‬وبذرتهم‭ ‬الطيبة‭. ‬لماذا‭ ‬يزدري‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬آباءه‭ ‬وأجداده‭ ‬يا‭ ‬ترى؟‭! ‬إنها‭ ‬الفجوة‭ ‬الثقافية‭ ‬والمعرفية‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬نتجت‭ ‬عن‭ ‬اختلاف‭ ‬الظروف‭ ‬الحياتية‭ ‬بين‭ ‬الأجيال؛‭ ‬فكل‭ ‬جيل‭ ‬نشأ‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬مختلف‭ ‬وتأثر‭ ‬بأحداث‭ ‬وثقافات‭ ‬وتقنيات‭ ‬مختلفة،‭ ‬يشمل‭ ‬ذلك‭ ‬الاختلاف‭ ‬طرق‭ ‬التعليم‭ ‬والتواصل،‭ ‬وفهم‭ ‬الحياة‭ ‬وتقدير‭ ‬الأشياء‭.‬

كان‭ ‬مخاض‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬متزامنا‭ ‬مع‭ ‬ولادة‭ ‬التفكير‭ ‬المعرفي‭ ‬والتطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬المستمر‭ ‬والاستخدام‭ ‬المكثف‭ ‬لوسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بينما‭ ‬نشأ‭ ‬الآباء‭ ‬والأجداد‭ ‬في‭ ‬زمانهم‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬الكتب‭ ‬والمجلات‭ ‬العلمية‭ ‬والصحف،‭ ‬ولا‭ ‬يزالون‭ ‬يبدون‭ ‬تمسكًا‭ ‬أكبر‭ ‬بالتقاليد‭ ‬والقيم‭ ‬القديمة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬الصدام‭ ‬بين‭ ‬الجيلين‭. ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬جعل‭ ‬الشباب‭ ‬يظنون‭ ‬أنفسهم‭ ‬الأفضل‭ ‬والأكثر‭ ‬مهارة‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬بسبب‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومات‭ ‬بسرعة‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعلهم‭ ‬أقل‭ ‬استعدادًا‭ ‬للاستماع‭ ‬لنصائح‭ ‬الجيل‭ ‬الأكبر‭ ‬سنًا،‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬العولمة‭ ‬والتدفق‭ ‬المعرفي‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الذي‭ ‬يلجأون‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أمورهم‭.‬

ناهيك‭ ‬عن‭ ‬كونهم‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬الوقت‭ ‬أصلا‭ ‬لرفع‭ ‬رؤوسهم‭ ‬المطأطئة‭ ‬على‭ ‬الهواتف‭ ‬النقالة‭ ‬والحواسيب‭ ‬ليسمعوا‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬الكبار‭ ‬أو‭ ‬ليتعلموا‭ ‬أدب‭ ‬الحديث‭ ‬أو‭ ‬ليروا‭ ‬كيف‭ ‬يتصرف‭ ‬الآباء‭ ‬والأجداد‭ ‬فيحذو‭ ‬حذوهم،‭ ‬ويرثوا‭ ‬عاداتهم‭ ‬وتقاليدهم،‭ ‬وإن‭ ‬فعلوا‭ ‬فهم‭ ‬لا‭ ‬يفتخرون‭ ‬بتراث‭ ‬آبائهم‭ ‬وأجدادهم‭ ‬أساسًا.

إن‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬الجيلين‭ ‬أثر‭ ‬على‭ ‬القيم‭ ‬والمعتقدات‭ ‬والتصورات‭ ‬العامة‭ ‬للحياة‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬خلق‭ ‬جيلا‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬بالمبادئ‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والدينية‭ ‬والمعرفية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مع‭ ‬التضارب‭ ‬الشديد‭ ‬في‭ ‬البيانات،‭ ‬وطرق‭ ‬العرض‭ ‬المتباينة،‭ ‬وعدم‭ ‬قدرة‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬الانتقاء‭ ‬الصحيح‭ ‬للمعلومة‭ ‬وتنقيحها‭ ‬وعرضها‭ ‬على‭ ‬العقل‭ ‬والمنطق،‭ ‬والانحراف‭ ‬عن‭ ‬المبادئ‭ ‬القويمة‭ ‬للعلوم‭ ‬المختلفة‭. ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬الاستغراق‭ ‬في‭ ‬التفاهات‭ ‬التي‭ ‬تعرضها‭ ‬السوشال‭ ‬ميديا،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تضيف‭ ‬للجيل‭ ‬سوى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الركاكة‭ ‬والضعف‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والمنطق‭.‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الجيل‭ ‬الأكبر‭ ‬سنا،‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬جمة‭ ‬في‭ ‬مواكبة‭ ‬التقنيات‭ ‬والأساليب‭ ‬الجديدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬جيل‭ ‬الآباء‭ ‬طرقهم‭ ‬قديمة‭ ‬وغير‭ ‬فعالة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يوسع‭ ‬الهوة‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬ويغلق‭ ‬المنافذ‭ ‬أمام‭ ‬أية‭ ‬فرصة‭ ‬للتلاقي‭ ‬والود‭.‬

 

كاتبة‭ ‬بحرينية