للسودان سلام.. أيضا
| سليم مصطفى بودبوس
في السودان، ومنذ الأزل، قالوا جميعا سلاما سلاما.. إلا حَمَلَة السّلاح.. أرادوها مجزرة تلو المجزرة، في شعب ذاق مرارة الحروب العسكرية الأهلية منذ سبعة عقود.. تاريخ طويل من الحروب، وما يقع اليوم في السودان، وللأسف، فصل جديد في سلسلة حروب أهلية ناهز عمرها 70 عاما. منذ العام 1955، قبيل استقلال السودان عن بريطانيا، انطلقت شرارة أول تمرّد مسلّح واستمرّ حتى العام 1972، وكان ذلك في الجنوب حين كان السودان متّحدا. وتوالت الحروب المسلّحة ومنها ما اندلع سنة 1983 عندما أعلن الرئيس جعفر النميري تطبيق الشريعة الإسلامية، فكانت المواجهة المسلحة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق.
ثم ازدادت الحرب حدّة سنة 1989 مع الانقلاب العسكري بقيادة عمر البشير؛ فقد أخذت تلك الحرب منعرجا جديدا وطويلا، ولم يجْنِ طرف نصرا يُذكر، ولم تتوقّف الحرب إلا سنة 2005، حين اضطر الجميع إلى توقيع “اتفاقية السلام الشامل”.. وقبل ذلك في العام 2003 اندلعت حرب جديدة في إقليم دارفور غرب البلاد تقودها حركات مطلبية جهوية تمرّدت على الجيش، وخاض الطرفان صراعا شرساً، وفي 2011 صوّت الجنوبيون للانفصال فكانت ولادة جمهورية جنوب السودان من رحم المعاناة والصراعات المسلحة والموت.. وما إن هدأت جبهة الجنوب قليلا حتى اندلع نزاع آخر في نفس العام في منطقتي “جبال النوبة” (جنوب إقليم كردفان) و”النيل الأزرق”.
وهكذا حرب تجر حربا، إلى أن وصل الأمر إلى ما عليه السودان اليوم في المدن الكبرى وآخرها الفاشر؛ إذ تتقاتل قوتان نظاميّتان مسلّحتان: قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، صراع سقط فيه عشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء وملايين النازحين واللاجئين، وجوع وعراء ووصمة عار أخرى على جبين تاريخنا العربي في أحد أغنى البلدان العربية والإفريقية
وبالرغم من جهود بعض الدول العربية لوقف العمليات العسكرية وضبط النفس في السودان، وبالرغم من الدعوات للحفاظ على المكتسبات الوطنية، وتغليب المصلحة العليا للشعب السوداني، فإنّ الكلمة كانت للمواجهة العسكرية، بل اليوم بلغت الانتهاكات حدَّ الجرائم ضد الإنسانية، فمن سيحمي السودان وشعبه، ومن يوقف النزيف ويضع حدّا للضحايا من العسكر والمدنيين الأبرياء.
الأكيد أنّ للسودان الجريح، والذي أنهكته الحروب، سلاما ولو بعد حين، فلابدّ لليل أن ينجلي، ولابد لبلد الطيبين أن يتعافى وتنتهي معاناتهم، والطريق الوحيد إلى ذلك هو السّلام.
كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية