كاشف “الذكاء” في محنة!

| أسامة مهران

“دربكة”‭ ‬و”لخبطة”‭ ‬و”ارتباك”‭ ‬أصاب‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الخطأ‭ ‬والصواب،‭ ‬بين‭ ‬الغث‭ ‬والسمين،‭ ‬حالة‭ ‬خلط‭ ‬مفزعة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬البيض‭ ‬الفاسد‭ ‬في‭ ‬سلة‭ ‬واحدة‭ ‬مع‭ ‬البيض‭ ‬الطازج،‭ ‬وقيل‭ ‬لنا‭: ‬أخرجوا‭ ‬الطازج‭ ‬من‭ ‬السلة،‭ ‬ليبقى‭ ‬حينئذ‭ ‬البيض‭ ‬الفاسد‭ ‬وهو‭ ‬يعلن‭ ‬بوضوح‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭. ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬التقنية‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬والجامعات‭ ‬والمعاهد‭ ‬ومراكز‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات‭ ‬وغيرها‭ ‬للفرز‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مقتبس‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬فردي‭ ‬معتبر،‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬منقول‭ ‬حرفيًا‭ ‬وذلك‭ ‬الذي‭ ‬يختلط‭ ‬فيه‭ ‬الحابل‭ ‬بالنابل‭ ‬والمصنوع‭ ‬بالمقطوع‭. ‬هي‭ ‬النسبة‭ ‬المئوية‭ ‬المسموح‭ ‬اقتباسها‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مرجع‭ ‬وأي‭ ‬مبحث‭ ‬وأي‭ ‬نص‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬الحياة،‭ ‬وعلى‭ ‬مر‭ ‬الزمن،‭ ‬عند‭ ‬الإعداد‭ ‬لنص‭ ‬أو‭ ‬كتاب‭ ‬جديد‭ ‬أو‭ ‬رسالة‭ ‬جامعية‭ ‬خاضعة‭ ‬للفرز‭ ‬والفحص‭ ‬والتدقيق،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬منقولة‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬أيدي‭ ‬الباحث‭.‬

قبل‭ ‬أيام‭ ‬تعرضت‭ ‬شخصيًا‭ ‬لحالة‭ ‬من‭ ‬“الخربطة”‭ ‬والالتباس‭ ‬بين‭ ‬المبتكر‭ ‬والمغشوش،‭ ‬عندما‭ ‬قادني‭ ‬فضول‭ ‬الصحافي‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬دقة‭ ‬المقال‭ ‬“المانيوال”‭ ‬الذي‭ ‬حرصت‭ ‬أن‭ ‬أكتبه‭ ‬بخط‭ ‬يدي،‭ ‬ثم‭ ‬أعدت‭ ‬كتابته‭ ‬على‭ ‬“اللابتوب”،‭ ‬ثم‭ ‬قمت‭ ‬بفحص‭ ‬المقال‭ ‬“اليدوي”‭ ‬الذي‭ ‬كتبته‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نفس‭ ‬التطبيق‭ ‬الكاشف‭ ‬“ZeroGPT”‭  ‬دون‭ ‬الاستعانة‭ ‬لا‭ ‬بمعلومة‭ ‬من‭ ‬كتاب،‭ ‬ولا‭ ‬ببحث‭ ‬من‭ ‬صديق،‭ ‬ولا‭ ‬بنصيحة‭ ‬من‭ ‬أقرب‭ ‬المقربين،‭ ‬فإذا‭ ‬بي‭ ‬أجد‭ ‬النتيجة‭ ‬مفجعة‭ ‬وهي‭ ‬أنني‭ ‬متهم‭ ‬ومع‭ ‬سبق‭ ‬الإصرار‭ ‬والترصد‭ ‬بسرقة‭ ‬85‭ % ‬مما‭ ‬كتبت‭ ‬وتركته‭ ‬عاريًا‭ ‬أمام‭ ‬المختبر‭ ‬المذكور.

على‭ ‬الفور،‭ ‬ذهبت‭ ‬للأساتذة‭ ‬الذين‭ ‬اعتمدوا‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الجامعات،‭ ‬ودار‭ ‬بيننا‭ ‬شد‭ ‬وجذب،‭ ‬مناقشات‭ ‬عقيمة‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬أية‭ ‬نتيجة،‭ ‬هم‭ ‬يؤكدون‭ ‬سلامة‭ ‬التطبيق،‭ ‬وأنا‭ ‬أحاورهم‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬سلامته‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬النظام‭ ‬يضع‭ ‬مسبقًا‭ ‬أي‭ ‬مستخدم‭ ‬لأي‭ ‬حرف‭ ‬أو‭ ‬كلمة‭ ‬من‭ ‬القاموس‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬“حرامي”،‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬يخلقها‭ ‬الكاتب‭ ‬المحترف‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الألفاظ‭ ‬أو‭ ‬الكلمات‭ ‬أو‭ ‬الحروف‭ ‬وبعضها‭ ‬البعض‭.‬

بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬الأساتذة‭ ‬الذين‭ ‬اعتمدوا‭ ‬هذا‭ ‬الاختبار‭ ‬معهم‭ ‬كل‭ ‬الحق‭ ‬لاكتشاف‭ ‬السرقات‭ ‬الأدبية‭ ‬والعلمية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي،‭ ‬لكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬التطبيق‭ ‬ذاته‭ ‬مصاب‭ ‬بحالة‭ ‬شك‭ ‬مرضي‭ ‬شأنه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬أي‭ ‬إنسان‭ ‬أوقعته‭ ‬التجارب‭ ‬المريرة‭ ‬في‭ ‬بشر‭ ‬لا‭ ‬يرحمون،‭ ‬ومع‭ ‬أناس‭ ‬لا‭ ‬ضمير‭ ‬لهم‭ ‬ولا‭ ‬نقاء‭ ‬سريرة،‭ ‬بالتأكيد‭ ‬مختبر‭ ‬فحص‭ ‬معدل‭ ‬الاقتباس‭ ‬من‭ ‬الغير‭ ‬يحتاج‭ ‬لصيانة،‭ ‬لعلاج‭ ‬من‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬علوم‭ ‬خوارزميات‭ ‬السرقات‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬و”الهاكرز”‭ ‬المحترفين،‭ ‬وبكل‭ ‬تأكيد‭ ‬ذلك‭ ‬النظام‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬دقيقة‭ ‬لكي‭ ‬يعتمد‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬يقيمها‭ ‬المؤلف‭ ‬بين‭ ‬المفردات‭ ‬والحروف‭ ‬وبعضها‭ ‬البعض،‭ ‬وليس‭ ‬لكونه‭ ‬استخدم‭ ‬مفردات‭ ‬تم‭ ‬استخدامها‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬قام‭ ‬بتوظيف‭ ‬مثل‭ ‬شعبي‭ ‬قديم،‭ ‬أو‭ ‬آية‭ ‬قرآنية‭ ‬كريمة‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تأكيد‭ ‬فكرة‭ ‬أو‭ ‬التشديد‭ ‬على‭ ‬معنى،‭ ‬أو‭ ‬التقرب‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬إنسانية‭ ‬متكررة‭.‬

العلاقات‭ ‬يا‭ ‬أهل‭ ‬العِلم،‭ ‬ويا‭ ‬قبائل‭ ‬الخبرات‭ ‬المتراكمة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬اعتمادها‭ ‬ونحن‭ ‬بصدد‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬النص‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬منقولاً‭ ‬أم‭ ‬مخلوقًا،‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬مقتبسًا‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬جاء‭ ‬تلقائيًا‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬عن‭ ‬عمد‭ ‬من‭ ‬باحث‭ ‬أو‭ ‬صحافي‭ ‬أو‭ ‬أديب‭ ‬مخضرم‭ ‬لكي‭ ‬يقيم‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الحجة‭ ‬على‭ ‬المجتمع،‭ ‬لأجل‭ ‬تنويره‭ ‬وليس‭ ‬بهدف‭ ‬الإيقاع‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬شرك‭ ‬الجهالة‭ ‬والضبابية‭ ‬و”السرقات”‭ ‬المعتمدة‭ ‬من‭ ‬جاهل‭ ‬أو‭ ‬غافل‭ ‬أو‭ ‬مدع‭.‬

إن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬جاءت‭ ‬لتكريس‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬وتنويره،‭ ‬لتوجيهه‭ ‬نحو‭ ‬“القبلة”‭ ‬الصحيحة‭ ‬عند‭ ‬إقامة‭ ‬الصلاة،‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬المجهول‭ ‬عند‭ ‬الدعاء‭ ‬المشفوع‭ ‬بالخشوع‭ ‬والطمأنينة‭ ‬إلى‭ ‬رب‭ ‬السماوات‭ ‬والأرض‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬تُعاد‭ ‬صياغة‭ ‬خوارزميات‭ ‬مختبر‭ ‬الاقتباس،‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬الدواء‭ ‬المناسب‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬داء،‭ ‬بل‭ ‬ومن‭ ‬كل‭ ‬غشاش‭ ‬لا‭ ‬يرحم،‭ ‬و”سيستم”‭ ‬لا‭ ‬يشفع،‭ ‬ومختبر‭ ‬مصاب‭ ‬بـ‭ ‬“عقدة‭ ‬الشك”‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية