لكيلا تُزهق روحٌ أخرى

| فاطمة عادل سند

تولَدُ‭ ‬أفضل‭ ‬القوانين‭ ‬والسياسات‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬المعاناة‭ ‬والمآسي،‭ ‬وانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المسؤولية‭ ‬علينا‭ ‬ألا‭ ‬نطوي‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬على‭ ‬المأساة‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬بفقدان‭ ‬الطفل‭ ‬حسن‭ ‬المحاري،‭ ‬والتي‭ ‬تتكرّر‭ ‬عامًا‭ ‬تلو‭ ‬الآخر‭ ‬لتسرق‭ ‬منا‭ ‬صغارنا‭ ‬فلذات‭ ‬أكبادنا،‭ ‬لذا‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتشارك‭ ‬المسؤولية‭ ‬المجتمعية‭ ‬والإنسانية‭ ‬باقتراح‭ ‬حلول‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬ضحايانا‭ ‬هم‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬الحضانات‭ ‬أو‭ ‬سنوات‭ ‬المدرسة‭ ‬الأولى،‭ ‬هو‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ - ‬بقدراته‭ ‬العقلية‭ ‬والجسمية‭ ‬المحدودة‭ - ‬أن‭ ‬يحلّ‭ ‬بعض‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يقع‭ ‬فيها‭. ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يغفل‭ ‬السائق‭ ‬عن‭ ‬اكتشافه‭ ‬لصغر‭ ‬حجمه،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يبرّر‭ ‬أيّ‭ ‬تهاون‭ ‬أو‭ ‬تقصير‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬والمرافقين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬توصيل‭ ‬طلبة‭ ‬رياض‭ ‬الأطفال‭ ‬والمدارس،‭ ‬ولا‭ ‬يبرّر‭ ‬أيضا‭ ‬لجوء‭ ‬الأولياء‭ ‬إلى‭ ‬أشخاص‭ ‬غير‭ ‬مرخّص‭ ‬لهم‭ ‬لتوصيل‭ ‬أبنائهم‭. ‬لذا‭ ‬وجب‭ ‬أن‭ ‬نضع‭ ‬أيدينا‭ ‬على‭ ‬الجرح‭ ‬حتّى‭ ‬نضمده،‭ ‬ولا‭ ‬يتحقّق‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬بفهم‭ ‬الحاجات‭ ‬والظروف‭ ‬وتطويعها‭ ‬لتحول‭ ‬دون‭ ‬تكرار‭ ‬خطر‭ ‬يهدد‭ ‬حياة‭ ‬الأطفال‭ ‬الأبرياء‭ ‬ويمسّ‭ ‬حقوقهم‭. ‬للحَدّ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬قدرة‭ ‬الآباء‭ ‬على‭ ‬توصيل‭ ‬أبنائهم‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬وقت‭ ‬دوام‭ ‬المدارس‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬عن‭ ‬دوام‭ ‬الوظائف‭ ‬الحكومية‭ ‬وبعض‭ ‬وظائف‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭. ‬لذلك‭ ‬يتعذّر‭ ‬على‭ ‬الآباء‭ ‬توصيل‭ ‬أبنائهم‭ ‬ويضطرّون‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬بديلة‭ ‬تهدر‭ ‬الجهد‭ ‬والمال‭ ‬كاللجوء‭ ‬“للوصلات”‭ ‬أو‭ ‬الحافلات‭ ‬أو‭ ‬استقدام‭ ‬عمالة‭ ‬إضافية‭ (‬سائقين‭ ‬أو‭ ‬مُساعِدات‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬تضرّ‭ ‬بالبيئة؛‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬التعليم‭ ‬المبكر‭ ‬غير‭ ‬الإلزاميّ‭ ‬لا‭ ‬تتوافر‭ ‬فيه‭ ‬المواصلات‭ ‬المجانية‭ ‬الحكومية،‭ ‬وأغلب‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬تقع‭ ‬صباحًا،‭ ‬حيث‭ ‬يتوفّى‭ ‬الطفل‭ ‬نتيجة‭ ‬نسيانه‭ ‬في‭ ‬المركبة‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬غفوة‭ ‬من‭ ‬النوم‭.‬

لذلك‭ ‬نناشد‭ ‬الحكومة‭ ‬الرشيدة‭ ‬والمجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للمرأة‭ ‬السّبّاق‭ ‬دائمًا‭ ‬إلى‭ ‬تبنّي‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬المرأة‭ ‬والأسرة‭ ‬والطفل،‭ ‬والجهات‭ ‬المعنية‭ ‬بالطفل‭ ‬والجهات‭ ‬التشريعية،‭ ‬دراسة‭ ‬مدى‭ ‬إمكانية‭ ‬تبني‭ ‬المرونة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬العمل‭ ‬ومنح‭ ‬استثناءات‭ ‬لأحد‭ ‬الأبوين‭ ‬للتمكّن‭ ‬من‭ ‬توصيل‭ ‬الأبناء،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬الالتزام‭ ‬بوقت‭ ‬العمل،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تحدد‭ ‬التشريعات‭ ‬فئة‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬يستحق‭ ‬معهم‭ ‬أحد‭ ‬الأبوين‭ ‬تلك‭ ‬الرخصة‭ ‬الاستثنائية‭.

وهذه‭ ‬السياسات‭ ‬والقوانين‭ ‬تتبنّاها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬كالسويد‭ ‬والدنمارك‭ ‬وفنلندا،‭ ‬كما‭ ‬بادرت‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتّحدة‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬المرونة‭ ‬أو‭ ‬تخفيف‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬لحالات‭ ‬إنسانية‭ ‬محدّدة‭ ‬كالعناية‭ ‬بأطفال‭ ‬صغار‭ ‬أو‭ ‬رعاية‭ ‬كبار‭ ‬السن،‭ ‬وأخيرا‭ ‬وليس‭ ‬آخرا‭ ‬أطلقت‭ ‬دولة‭ ‬قطر‭ ‬حملة‭ ‬“وصّل‭ ‬عيالك”‭.‬

وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬وعيا‭ ‬أصيلا‭ ‬ومتقدّما‭ ‬بأهمية‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتؤكد‭ ‬أنّ‭ ‬تمكين‭ ‬الآباء‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬لتوصيل‭ ‬أبنائهم‭ ‬والاطمئنان‭ ‬على‭ ‬سلامتهم،‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬مصلحة‭ ‬العمل‭ ‬ولا‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬إنتاجية‭ ‬الموظّف،‭ ‬بل‭ ‬يعزّزها‭ ‬ويوفّر‭ ‬أريحيّة‭ ‬واطمئنانا‭ ‬نفسيا‭ ‬للآباء‭ ‬والأبناء‭. ‬وكلّنا‭ ‬ثقة‭ ‬أنّ‭ ‬البحرين‭ ‬كانت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬سبّاقة‭ ‬في‭ ‬الأخذ‭ ‬بما‭ ‬ينفع‭ ‬العباد‭ ‬والبلاد‭.‬

 

كاتبة‭ ‬بحرينية‭ ‬وباحثة‭ ‬قانونية