أثر التصنيف القانوني لجريمة غسل الأموال (22)

| د. عبدالقادر ورسمه

وهكذا‭ ‬توسع‭ ‬التشريع‭ ‬بالنسبة‭ ‬للتصنيف‭ ‬القانوني‭ ‬لجريمة‭ ‬غسل‭ ‬الأموال،‭ ‬كما‭ ‬بينا،‭ ‬وأيضا‭ ‬سيتوسع‭ ‬أكثر‭ ‬وأكثر‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬إذا‭ ‬ظللنا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬ولن‭ ‬نستطيع‭ ‬النوم‭ ‬لأن‭ ‬الوضع‭ ‬سيكون‭ ‬له‭ ‬شأن‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬جديد‭ ‬ويصبح‭ ‬التشريع‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬التاريخ،‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭...‬

ولقد‭ ‬سار‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تتسارع‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬تعديل‭ ‬تشريعاتها‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬لآخر‭ ‬لزيادة‭ ‬“قائمة”‭ ‬جرائم‭ ‬جديدة‭ ‬تعتبر‭ ‬متحصلاتها‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭. ‬ويتم‭ ‬زيادة‭ ‬قوائم‭ ‬الجرائم،‭ ‬لأنه‭ ‬بدون‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم‭ ‬وإثباتها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬محاربة‭ ‬مجرمي‭ ‬الجريمة‭ ‬أو‭ ‬غاسلي‭ ‬الأموال‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬الجريمة‭ ‬في‭ ‬الأساس،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬متحصلات‭ ‬قذرة‭ ‬وغير‭ ‬مشروعة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬غسل‭ ‬أموال،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬وجد‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يعاقب‭ ‬لأن‭ ‬جريمته‭ ‬غير‭ ‬مذكورة‭ ‬في‭ ‬التشريع،‭ ‬“ولا‭ ‬جريمة‭ ‬بدون‭ ‬نص”‭. ‬ولكن،‭ ‬وكما‭ ‬يبدو،‭ ‬فإن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السباق‭ ‬المحموم‭ ‬لتوسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الجرائم‭ ‬سيستمر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬المجرم‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬سيكتشف‭ ‬سبلا‭ ‬وطرقا‭ ‬جديدة‭ ‬لارتكاب‭ ‬جريمة‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭ ‬مع‭ ‬متعة‭ ‬التلذذ‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الأموال‭ ‬“القذرة”‭ ‬الي‭ ‬أموال‭ ‬نظيفة‭ ‬“شرعية”‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الشرعي‭ ‬وعلي‭ ‬رؤوس‭ ‬الأشهاد‭. ‬

ولهذا،‭ ‬بدأت‭ ‬بل‭ ‬جنحت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التشريعات‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬نحو‭ ‬التوجه‭ ‬الى‭ ‬عدم‭ ‬ذكر‭ ‬أو‭ ‬حصر‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬متحصلاتها‭  ‬جريمة‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭. ‬وبمقتضي‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬الحديث‭ ‬للتشريعات،‭ ‬الذي‭ ‬تبنته‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬المحاكم‭ ‬الانجليزية‭ ‬ووجهت‭ ‬باتباعه،‭ ‬ستكون‭ ‬مكافحة‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭ ‬أكثر‭ ‬فعالية‭ ‬ولا‭ ‬تحدها‭ ‬أي‭ ‬حدود‭ ‬لابتعادها‭ ‬عن‭ ‬حصر‭ ‬“قائمة”‭ ‬معينة‭ ‬للجرائم‭. ‬ولتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬فإن‭ ‬تشريعات‭ ‬مكافحة‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬وذكر‭ ‬تفاصيل‭ ‬أنواع‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬متحصلاتها‭ ‬تشكل‭ ‬جريمة‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭. ‬ولهذا‭ ‬يكتفي‭ ‬بالنص،‭ ‬أن‭ ‬متحصلات‭ ‬أي‭ ‬جريمة،‭ ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬الجريمة،‭ ‬فإنها‭ ‬تعتبر‭ ‬متحصلات‭ ‬جريمة‭ ‬غسل‭ ‬أموال‭.‬‭ ‬وبهذه‭ ‬الكيفية‭ ‬الحديثة‭ ‬فإن‭ ‬متحصلات‭ ‬أي‭ ‬جريمة‭ ‬وبدون‭ ‬حصر‭ ‬أو‭ ‬“قوائم‭ ‬جاهزة”‭ ‬تعتبر،‭ ‬ومهما‭ ‬كانت،‭  ‬تشكل‭ ‬جريمة‭ ‬غسل‭ ‬أموال‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬يبدأ‭ ‬المجرم‭ ‬تنظيفها‭ ‬عبر‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬المراحل‭ ‬الأساسية‭ ‬لغسل‭ ‬الأموال‭ ‬والتي‭ ‬تتطور‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬“الإحلال”‭ ‬عبر‭ ‬الإيداع‭ ‬في‭ ‬البنوك‭ ‬مثلا‭ ‬أو‭ ‬شراء‭ ‬الأسهم‭ ‬والشركات‭ ‬والعقارات‭ ‬واليخوت‭ ‬والذهب‭ ‬والمجوهرات‭ ‬والأناتيك،‭ ‬الى‭ ‬مرحلة‭ ‬“التغطية”‭ ‬والتمويه‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬الى‭ ‬مرحلة‭ ‬“الدمج”‭ ‬والاندماج‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المالي‭ ‬النظيف‭ ‬الشرعي‭.

وبين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها‭ ‬تتحول‭ ‬النقود‭ ‬القذرة‭ ‬والمتحصلات‭ ‬الاجرامية‭ ‬الى‭ ‬نقود‭ ‬نظيفة‭ ‬ومتحصلات‭ ‬قانونية‭ ‬شرعية،‭ ‬وكلنا‭ ‬نعشق‭ ‬جمعها‭ ‬والتعامل‭ ‬معها‭ ‬وبها‭ ‬وأصلها‭ ‬أتى‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬قذرة‭ ‬محرمة‭ ‬قانونا‭ ‬وشرعا‭.. ‬وفي‭ ‬اعتقادنا،‭ ‬انه‭ ‬وباتباع‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬التشريع‭ ‬فإن‭ ‬متحصلات‭ ‬كل‭ ‬الجرائم‭ ‬ومهما‭ ‬كان‭ ‬نوعها‭ ‬أو‭ ‬أصلها‭ ‬أو‭ ‬فصلها‭ ‬تقع‭ ‬تحت‭ ‬طائلة‭ ‬المساءلة‭ ‬القانونية‭ ‬عن‭ ‬جريمة‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭. ‬وباتباع‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬غاسل‭ ‬للأموال‭ ‬أن‭ ‬يهرب‭ ‬بجريرته‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬الجريمة‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬الجرائم‭ ‬“الجاهزة‭ ‬–‭ ‬ردي‭ ‬ميد”‭ ‬التي‭ ‬تعامل‭ ‬متحصلاتها‭ ‬كجريمة‭ ‬غسل‭ ‬أموال‭.. ‬ومن‭ ‬شمولية‭ ‬التشريع‭ ‬وعدم‭ ‬تحديده‭ ‬للجرائم‭ ‬سيتم‭ ‬إحكام‭ ‬وتوسيع‭ ‬المكافحة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬جريمة‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭ ‬ومرتكبيها،‭ ‬وهذا‭ ‬قطعا‭ ‬سيؤدي‭ ‬الى‭ ‬انكماشها‭ ‬حتي‭ ‬الضمور‭ ‬والهلاك‭ ‬ولو‭ ‬بعد‭ ‬حين‭.. ‬وهذا‭ ‬في‭ ‬نظري،‭ ‬هو‭ ‬عين‭ ‬الهدف‭ ‬المقصود‭ ‬لتفعيل‭ ‬وتوسيع‭ ‬المكافحة‭ ‬حتي‭ ‬الاجتثاث‭ ‬التام‭. ‬ولعمري،‭ ‬هذا‭ ‬طموح‭ ‬ممكن‭ ‬وتفاؤل‭ ‬مشروع،‭ ‬ونأمل‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬اتباعه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة‭ ‬تهدد‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬وقت‭ ‬وكل‭ ‬زمان،‭ ‬ولذا،‭ ‬وكرد‭ ‬فعل‭ ‬طبيعي‭ ‬فإن‭ ‬توسيع‭ ‬مواعين‭ ‬المكافحة‭ ‬أمر‭ ‬ضروري‭ ‬بل‭ ‬حتمي‭.‬

‭* ‬مستشار‭ ‬وخبير‭ ‬القانوني