التربيت على الخبيث

| غسان الشهابي

طالما أطلقنا على مرض السرطان: “الخبيث”، وهو خبيث بالفعل ومراوغ، كامن في أجسادنا يتربص بنا ريب المنون، لا يترك الجسد يستكين، متحيناً أية ثغرة حتى يهاجمنا ويبسط سيطرته على ما يمكنه بسطه، قد ينكفئ على نفسه أحياناً بفعل العلاج، لكن خلاياه قد تنام ولكنها تظل تتلفت منتهزة فرصة جديدة لتعود أشرس مما كانت. يا لها من بداية مقال منفرة لأي قارئ، ولكن المعنى هنا لا يذهب إلى المرض بعينه، ولكنني أعني الخلية السرطانية على خريطة العالم، التي لا تشبع من التمدد، والتي تسعى على الدوام للسيطرة على كل ما تتقدم إليه، بل وتسحقه لتحلّ محله. الخلية السرطانية ليست كلباً يخرج لسانه ويهز ذيله فرحاً إن ربّتنا على رأسه، ليست إنساناً أو حتى حيواناً قد يعود إلى رشده، وقد يهديه الله إلى الصواب ليكفّ أذاه وفتكه بمن حوله، خلية لن تكون مطيعة ولطيفة معنا مهما صرنا طيبين معها، لن تهدأ إن أطعمناها، بل ستكبر وتتوحش وتطلب المزيد، لن تحفل بنا إن عاملناها باهتمام، ولن تتراجع إن أشحنا بوجوهنا متجاهلين وجودها وخطرها وكأننا غير معنيين بها.. الخلية لا حدود لتطلعاتها، نهمة لا تشبع، الخلية عاصفة هوجاء تكنس في طريقها ما تصادفه، غول أعمى ينتعش بالولوغ في الدم وما شاكله، يشعر أنه جريح وما هو بجريح. الخلية السرطانية إن جوّعتها كبحتها، وهذه الخلية التي ابتلي العالم بها تتوحش جائعة، وتتغوّل مهما أطعمتها، فاغرة فاها تريد المزيد، فما إطعامها إلا خسارة للمطعم لأنها ستنقلب عليه وتأكله. أقتبس جزءًا من تحقيق للزميل محمود السبكي، عنوانه “أنياب” إسرائيل تنهش الفلسطينيين في غزة والضفة عبر تحويل كلاب أوروبية لسلاح حرب، تقول والدة محمد - المصاب بمتلازمة داون وغير القادر على الكلام بشكل طبيعي – “إن جنود الاحتلال أطلقوا كلباً شرساً على ابنها في 2024 لينهش كتفه، حاول الابن أن يقاوم، وأنّى له المقاومة، فراح يمسح على الكلب قائلاً: “خَلَص يا حبيبي خَلَص”، ومع ذلك، استمر الكلب في “افتراس” ذراعه الذي ينزف بغزارة، وانهار الشاب مغشياً عليه”. فهل ارعوى الكلب الشرس أمام هذا المشهد الإنساني؟! هكذا الخلية السرطانية المتمثلة بشكل دولة. إذا لم يكن من الموت بدّا، فمن العار أن يموت المرء مستسلماً لهذه الخلية منتظراً أن تفتك به، ففي عالم الطب يسمّى من يقف في وجه الخبيث: “محارب السرطان”، فالمحارب يبذل قصارى جهده على أرض المعركة، إما أن ينتصر أو يموت بشرف، أما الاستسلام والتوسّل والتربيت أو انتظار موت الخلية من تلقائها فلن يستعطف سرطان العالم، ولن يوقفه عند حدّه.

كاتب بحريني