إنجاز ما بعده إنجاز
| زهير توفيقي
ليس كل يومٍ يُحقق طالب بحريني إنجازًا عربيًا بهذا الحجم، يتفوّق فيه على أكثر من اثنين وثلاثين مليون طالب وطالبة من خمسين دولة، ليحصد المركز الثاني في تحدي القراءة العربي في دورته التاسعة - المبادرة الرائدة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، لتكون أكبر تظاهرة قرائية في العالم العربي، غايتها غرس حب القراءة في نفوس الأجيال، وإحياء مكانة اللغة العربية في القلوب والعقول. الطالب محمد جاسم مبارك من المدرسة الأهلية الخاصة لم يرفع اسمه فحسب، بل رفع اسم مملكة البحرين عاليًا، حين وقف على منصة التتويج في مركز دبي التجاري العالمي، ممثلًا وطنه بين نخبة من المبدعين الشباب من مختلف الدول العربية. إن وصوله إلى هذه المرتبة المتقدمة من بين أكثر من 32 مليون مشارك هو إنجاز غير مسبوق، ووسام فخر لكل بيت بحريني، ولكل معلم ومدرسة ومؤسسة تربوية في مملكتنا الحبيبة. لقد أحسن سعادة وزير التربية والتعليم الدكتور محمد بن مبارك جمعة حين بادر بتكريم هذا الطالب وتهنئته، وأشاد بجهوده، معتبرًا ما تحقق انعكاسًا للمستوى المتقدم للتعليم في البحرين، وجهود الوزارة في تنمية مهارات اللغة العربية لدى الطلبة. ولكن، وبكل صراحة، فإن هذا الإنجاز لا يجب أن يمر مرور الكرام، ولا أن يُكتفى بتكريم رمزي أو إشادة محدودة، لأنه يمثل قيمة وطنية كبيرة، ورسالة تربوية وإنسانية ينبغي أن تُترجم إلى فعل.
إننا كثيرًا ما نحتفي بالأبطال الرياضيين حين يحققون الميداليات، ونمنحهم الأوسمة والمكافآت، ونغمرهم بالضوء والإشادة - وهذا جميل ومستحق - لكننا في المقابل نقصر كثيرًا في حق المتفوقين في مجالات الفكر والمعرفة والعلم. والحق أن من يحمل كتابًا ويمثل وطنه في ميدان اللغة والفكر لا يقل بطولةً عمن يحمل ميدالية أو كأسًا في ميدان الرياضة. تكريم محمد جاسم اليوم ليس تكريمًا لطالبٍ واحد، بل هو تكريم لفكرٍ وجهدٍ وثقافةٍ ومثابرة، وهو رسالة قوية إلى جميع طلاب البحرين بأن طريق القراءة والمعرفة طريق مشرّف يقود إلى التميّز والريادة. يذكر أن تحدي القراءة العربي ليس مسابقة عادية، بل هو مشروع حضاري عربي بامتياز، أعاد للغة العربية ألقها، وأثبت أن أطفالنا وشبابنا قادرون على منافسة أقرانهم حين تتوفر لهم البيئة المحفزة. وقد كان لافتًا أن البحرين شاركت هذا العام بأكثر من 137 ألف طالب وطالبة، وهذا بحد ذاته مؤشر مشرف على حجم الاهتمام الذي توليه المدارس والمعلمون وأولياء الأمور لترسيخ ثقافة القراءة. لقد آن الأوان لأن يتعامل الإعلام البحريني مع مثل هذه الإنجازات بنفس القدر من الاهتمام الذي يخصّصه للأحداث الأخرى، فهذه النجاحات تمثل الواجهة الحقيقية للمجتمع، وتؤكد أن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار. الإعلام الوطني مطالب بأن يسلّط الضوء على الطالب محمد جاسم، ويستعرض مسيرته وطموحاته وجهده الذي أوصله إلى هذا المقام، وأن يقدمه كنموذج يُحتذى، لا كخبر عابر في زاوية صفحة. كما أن هذا الحدث يستحق تكريمًا رسميًا واحتفاءً وطنيًا أوسع، بمشاركة الدولة ومؤسساتها، ويكون مناسبة لإبراز قيمة العلم والمعرفة في وجدان المجتمع. فحين تُكرّم الدولة أبناءها المبدعين، فإنها تُرسل رسالة عميقة إلى كل ناشئ: أن الوطن يرى ويقدر، وأن الجهد لا يضيع سدى. وفي زمنٍ تتراجع فيه القراءة لحساب الشاشات السريعة والمقاطع العابرة، يأتي هذا الطالب ليذكّرنا بأن الكتاب مازال نافذتنا الأجمل على العالم، وأن حب القراءة هو الذي يصنع الفرق بين جيلٍ يتلقى، وجيلٍ يصنع ويبدع. محمد جاسم لم يقرأ فقط، بل آمن بأن الكلمة قادرة على أن ترفعه، وأن اللغة العربية ليست مجرد مادة دراسية، بل روح وهوية وانتماء. إن ما فعله هذا الطالب هو رسالة من جيلٍ جديد يريد أن يقول لنا: نحن هنا، نستطيع، ونحمل راية الوطن بعقولنا وكتبنا، لا بأحلامنا فقط. ومن واجبنا نحن - مجتمعًا ومؤسسات - أن نفتح له الأبواب، وأن نحوله من “خبر جميل” إلى رمز ملهم في كل مدرسة وبيت. ولعل في قصة هذا الطالب ما يعيد إلينا المعنى الأصيل للقانون غير المكتوب الذي يحكم نهضة الأمم “قانون الكلمة والمعرفة”، فالقوة الحقيقية لا تُقاس بعدد المصانع ولا حجم الثروات، بل بقدرة المجتمع على أن يزرع في أجياله حب التعلم واحترام الفكر. ومن هنا، فإن تكريم محمد جاسم مبارك ليس مجرد احتفاء بإنجاز فردي، بل هو تكريم لروح البحرين المتعلمة والمستنيرة، تلك الروح التي آمنت منذ فجر نهضتها بأن بناء الإنسان هو الركيزة الأولى لبناء الوطن. ويهدف تحدي القراءة العربي، والذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في العام 2015، كأكبر مسابقة ومشروع قراءة على مستوى العالم، إلى تعزيز أهمية القراءة لدى الطلبة المشاركين على مستوى الوطن العربي والعالم، وتطوير آليات الاستيعاب والتعبير عن الذات بلغة عربية سليمة، وتحبيب الشباب العربي بلغة الضاد، وتشجيعهم على استخدامها في تعاملاتهم اليومية. ويسعى التحدي الذي تنظمه مؤسسة “مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية”، إلى ترسيخ حب المعرفة والقراءة والاطلاع لدى الأجيال الجديدة وتزويدهم بالمعرفة الضرورية، للمساهمة في بناء مستقبل أفضل وصقل قدراتهم وشخصياتهم. كما يهدف التحدي إلى بناء المنظومة القيمية للنشء من خلال اطلاعهم على قيم وعادات ومعتقدات الثقافات الأخرى، وهو ما يرسخ مبادئ التسامح والتعايش وقبول الآخر.
كاتب وإعلامي بحريني