نقلة نوعية في العدالة العمالية
| د.حورية الديري
يشهد سوق العمل البحريني مرحلة تحول حقيقية مع إطلاق النسخة المطوّرة من نظام حماية الأجور، والذي يعكس رؤية متقدمة للمملكة في حماية حقوق العاملين وتنظيم العلاقة بين أطراف الإنتاج. وتعتبر هذه الخطوة مرحلة جديدة من الحوكمة الاقتصادية القائمة على الشفافية والمساءلة. لقد أثبتت البحرين، على مدى السنوات الماضية، أنها تتعامل مع قضايا العمل برؤية إنسانية لا تقل أهمية عن بعدها الاقتصادي، فالنسخة المطوّرة من النظام تمثل - من وجهة نظري - أحد أبرز إنجازات المرحلة الراهنة في بناء سوق عمل منصف ومتوازن، لأنها تجمع بين العدالة الرقمية والكفاءة المؤسسية.
النظام الجديد، والذي يراقب إلكترونيًا صرف الأجور عبر ربط الجهات الرسمية بالمصارف وأصحاب العمل، يحقق مبدأ العدالة الوقائية، أي معالجة المشكلات قبل وقوعها، فهو يضمن للعامل حقه المالي في الوقت المحدد، ويمنح صاحب العمل آلية موثوقة لتوثيق التزامه القانوني. وهذا في رأيي تطور جوهري يرسخ الثقة في بيئة العمل البحرينية. إعجابي بهذا النظام لا يمنعني من الإشارة إلى تحدٍ جوهري: وعي القطاع الخاص بأهمية النظام. فنجاحه لا يتوقف على البنية التقنية فحسب، بل على اقتناع المؤسسات بأن حماية الأجور ليست عبئًا رقابيًا، بل استثمار في الاستقرار المؤسسي. فالعامل الذي يشعر بالإنصاف ينتج أكثر، ويبدع أكثر، ويمنح المؤسسة ولاءً لا يُشترى بالمال. كما أن توسع النظام ليشمل شرائح أوسع من العمالة يُعد خطوة شجاعة نحو العدالة الشاملة، خصوصًا في ظل تنامي أعداد العاملين في القطاعات الصغيرة والمتوسطة. وهنا تبرز أهمية المتابعة المستمرة لضمان التطبيق السليم دون إرهاق إداري للمنشآت. في رأيي، النسخة المطوّرة من نظام حماية الأجور تختصر فلسفة البحرين الحديثة: التنمية لا تكتمل دون إنصاف، والرقمنة لا قيمة لها إن لم تخدم الإنسان. إنها تجربة تستحق الإشادة والتعميم خليجيًا وعربيًا، لأنها تجمع بين التقنية والقيم في آنٍ واحد. ويمكن القول إن هذا النظام يساهم في تعزيز الثقة بين المملكة وأصحاب العمل والعمال، ويؤسس لثقافة جديدة في سوق العمل عنوانها العدالة مسؤولية الجميع.