حوكمة الأجور وضمان الحقوق
| أسامة مهران
لم يكن أمامي مفر ومجلس الشورى بصدد اعتماد قانون الصحافة الجديد، إلا أن أفتّش في أنظمة الحوكمة التي تحكم آليات العمل في الحكومة والقطاع الخاص، لم يكن أمامي مفر من العودة إلى النسخة المطورة من نظام حماية الرواتب والحوافز الذي تم إطلاقه أول مرة في العام 2021، ليشمل العمالة التجارية في القطاع الخاص وذلك بهدف إحداث تطوير مؤسسي مستدام، حيث عملت هيئة تنظيم سوق العمل بالتعاون مع مصرف البحرين المركزي وبالتنسيق مع شبكة البحرين الإلكترونية للمعاملات المالية “بنفت” وعدد من الشركاء في القطاع الخاص على تطوير نظام حماية الأجور بما يواكب احتياجات سوق العمل، وفي الوقت ذاته يعمل على تسهيل تنظيم عملية سداد الأجور إلكترونيًّا وتوثيقها من دون الحاجة إلى الاستثمار في أنظمة مالية خاصة. وعلى الرغم من أن هذا النظام يهدف إلى تعزيز حماية حقوق العمالة الوطنية وضمان استقرارها في بيئة عمل عادلة وآمنة، إلا أننا في بعض المؤسسات الخاصة ومن بينها المؤسسات المالية والمصرفية نجد تفاوتًا في الأجور ما بين أصحاب الخبرات والمواقع الوظيفية المتماثلة، بل إننا نجد في هذه المؤسسات تفاوتًا حادًّا بين ما يحصل عليه مدير ومدير، ورئيس ورئيس، ومسؤول وآخر، الأمر الذي يخلق امتعاضًا صامتًا بين الزملاء، وحالة قلق من المستقبل وضياعًا مؤكدًا للأمل بعد اجتهاد، وللفرصة بعد العثور عليها. آليات ضمان الحقوق أو حوكمة نظام الأجور يحتاج رغم جديته، ورغم وجاهة حوكمته، وضمان صيرورته، إلى توفير بيئة عادلة وآمنة مثلما جاء في ديباجة هذا المشروع، بل ومثلما يهدف في الأساس، خصوصًا أن بند تحسين كفاءة إدارة الموارد البشرية لن يتحقق إلا إذا كان هناك معيار واضح لا يخضع لمزاج صاحب العمل أو المدير المسؤول عند تحديد المكافآت والحوافز والرواتب والبدلات، لابد أن يكون النظام الضابط لآليات التعامل بين صاحب العمل أو المسؤول الأول عنه وهؤلاء المنضوين تحت مظلة النظام حماية له، ولحقوق الموظف ولفرصته في الترقي. ورغم أننا أمام الأمتار الأخيرة من إقرار قانون الصحافة في مملكتنا الحبيبة البحرين، إلا أن حوكمة أنظمة الأجور ومن خلال التتبع لديباجة النظام الرصين المحرك لها، لابد أن يكون هناك توصيف وظيفي معتبر يتم من خلاله تحديد التعريف الدقيق لكل مهنة، خصوصًا أن المؤسسات الصحافية قد نشأت خاصة أي مملوكة للقطاع الخاص، وهو ما قد ينتج عنه حالات بعينها تعاني، وأخرى تبحث عن عمل بعد إفلاس تلك المؤسسات، تمامًا مثلما يجب أن يكون واضحًا بمكان ذلك الارتباك عندما نتحدث عن تقاعد الصحافيين، وعن ضمان حقوقهم بعد نهاية الخدمة، خصوصًا أن معظمهم يعمل بنظام الدوام الجزئي، وهو ما كان من الصعب تحديد معدل أجر شهري منتظم للصحافي لكي يتم على أساسه تحديد قيمة الراتب التقاعدي إذا كان هناك نظام محوكم للأجور. ونحمد الله ونشكر فضله أننا في مملكة البحرين انتهينا من إعداد نظام محدد بأدوات متطورة لتسهيل عملية سداد الأجور، بل وتوثيق التزام المنشآت بالتشريعات والأنظمة، كما أن هذه الأنظمة من شأنها أن تساعد أصحاب الأعمال على الامتثال بسهولة لها، بل المساعدة في بناء علاقات عمل مستقرة تعزيزًا لسمعة المنشآت التجارية والمالية والمصرفية وغيرها. إن المجتمع الدولي في تقاريره المتعددة والمنتظمة عن نظام حماية وتأمين الأجور في مملكة البحرين يؤكد مرارًا وتكرارًا على أن هذا النظام يحفظ وبدقة حقوق العمالة الوطنية والأجنبية في الحصول على أجورها وبصورة منتظمة، كما أنه يوثق استلام العامل أجره في الموعد المحدد بالقيمة المتفق عليها بطريقة آمنة ومدونة ضمن مستندات تراعي التحديد لقيمة الراتب، وموعد الحصول عليه بل وضمان ذلك بشكل دوري. ولأن هذا النظام يعمل بتناغم وتكامل تام مع أنظمة المؤسسات المالية والمصرفية في البلاد، فقد تم البدء بمواءمة أنظمتها التقنية مع النظام المعمول به، على أن تستكمل المواءمة بصورة نهائية خلال الربع الأول من العام القادم 2026، حيث يهيئ ذلك بيئة صحية لعمل النظام بصورة كاملة. إن مؤسساتنا المنتمية للقطاع الخاص أصبحت من خلال هذا النظام في مأمن من مخاطر ضياع الحقوق، يبقى فقط أن نستكمل هذا النظام في مؤسساتنا التي لا يوجد لديها نظام واضح للأجور والحوافز والرواتب التقاعدية، وذلك حتى تمتد مظلة الحماية لحقوق كل من يعمل تحت سماء هذه الأرض الطيبة، وكل من يعطي ويجزل في العطاء، وإلا فإن لكل ذي مقامٍ مقالا.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية