إسرائيل بين النصر والهزيمة
| أحمد جعفر
بعد أن وضعت الحرب في غزة أوزارها أخيرًا، تقف إسرائيل أمام معادلة صعبة: نصر عسكري صريح، تقابله هزيمة سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة. ونجحت إسرائيل في تدمير بنية حماس العسكرية والسياسية إلى حد كبير، وأضعفت معظم خصومها في الشرق الأوسط، لكن انتصاراتها العسكرية في الميدان على مدار العامين الماضيين لم تترجم إلى مكاسب سياسية بعد أن واجهت الدولة العبرية عزلة شاملة. وفي هذا الإطار، يقول الباحث الأميركي، روبرت ساتلوف، وهو خبير في السياسة العربية والإسلامية وسياسة الولايات المتحدة بالشرق الأوسط، وله مؤلفات حول عملية السلام العربية الإسرائيلية، إن إسرائيل “انتصرت في المعارك، لكنها لم تنتصر في الحرب”، مشيرًا إلى أن تحويل الانتصار العسكري إلى إنجاز سياسي يتطلب رؤية تتجاوز منطق القوة. لقد أهدرت إسرائيل بالفعل فرصًا حقيقية لتحقيق مكاسب سياسية كبرى عقب دعم المجتمع الدولي المطلق لها في حقها بالدفاع عن نفسها بعد هجمات حماس في السابع من أكتوبر، والسبب في ذلك - من وجهة نظري - يعود إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول القضية لمعركة شخصية للبقاء السياسي أكثر منها حربًا لأمن إسرائيل. وتعمد الملك “بيبي” كما يحلو لأنصاره أن يطلقوا عليه، مد الصراع، محولاً العمليات العسكرية إلى وسيلة للبقاء في الحياة السياسية والحفاظ على حكومته الأكثر يمينية في تاريخ البلاد. وبذلك، تحولت إسرائيل أسيرة لقرارات رجل واحد استنزف جيش بلاده واقتصادها وسمعتها الدولية في حرب بلا هدف استراتيجي حقيقي. وكان يمكن له أن ينجز المهمة في أسابيع معدودة ويدمر حماس بضربات سريعة، ثم يستغل الحرب التي فرضت على إسرائيل، لإعادة دمج البلاد في محيطها الإقليمي. لقد خسرت إسرائيل حرب المعلومات والدبلوماسية معًا؛ فصورتها التي روجت لها كـ “دولة ديمقراطية تدافع عن نفسها” لم تصمد أمام صورة واحدة لطفل فلسطيني جائع في غزة. وتراجع رصيد البلاد السياسي والأخلاقي مع استمرار الصراع، ثم واجهت إسرائيل قضية في محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية، وأصدرت محكمة الجنايات الدولية مذكرة قبض بحق رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق، فيما ازدادت عزلتها في محيطها الإقليمي والدولي بعد أن أضحت الدولة العبرية الجهة المزعزعة لاستقرار المنطقة. إن تل أبيب التي تحاول الخروج من عزلتها اليوم، تدفع ثمن سياسات نتنياهو الذي اختار حربًا بلا هدف عسكري واضح لمجرد الحفاظ على موقعه في السلطة والهروب من معارك قانونية يتهم فيها بقضايا فساد لطالما أصر على نفيها. وفي حين انتصرت إسرائيل في الميدان دون شك حتى مع ظهور فلول حماس في أجزاء من القطاع، فإنها خسرت فرصة نادرة لتقديم نفسها على أنها دولة سلام.
كاتب بحريني