خربشة ومغزى "مُتخيَّر قُطوف ،، من مُقدِّمة ابن خلدون المعْرُوف"
| احمد عبدالله الحسين
مُتخيَّر قُطوف من مُقدّمة ابن خلدون المعرُوف، هو عنوان يطلّ على بعض ما أنبته ابن خلدون من آراء وأفكار، وما تميز به من فرائد تحليل وبحوث لها إستمرار.
والمُقدِّمة كما ذُكر في المقال السابق هي تاج كتابه الموسوعي"العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر".
ابن خلدون في مُقدِّمته وضع افكار علم العمران البشري، والذي تولّد منه في الغرب بعد قرون تلت مصطلح علم الإجتماع.
وهذا العلم أبدعه ولملمه ابن خلدون ويُعدّ سبق له، وإن كان هنالك بعض مضامين أوردها قبله علماء عرب مسلمون خلال كتب الفلسفة وغيرها.
العمران البشري عند ابن خلدون هو عُمْران العالم، والعالم فيه توحُّش وتآنس وعصبيَّات، وطبائع وسجايا، وطرق كسب ومعاش، وعلوم وصنائع، ونشأة مُلك ودول. والمقدمة تحدثت تفصيلا عن مثلها وغيرها. والتالي بعض قطوف مفاهيم مُتخيّرة ومختصرة منها:
الطبائع والسجايا
وهي غرز خِلقة وفطرة، وكُلُّ أمة مجبولة على طبائع وسجايا خاصة بها، وحينما توسَّعت علمية بحوث فيها تطورت إلى نظرية الأعراق البشرية، وهي تتمايز بين البشر وتتجلى في مجموع العِرق الذي يُكوّن أصل واحد، وهنالك استلْفَاتَ أن الطبائع والسجايا تتأثر بالبيئة التي تُحيط الإنسان، والتي فيها مناخ حار وبارد، وتضاريس سهول وهضاب وجبال ووديان وصحاري وانهار وبحار، وكذلك ما فيها من نبات وحيوان ومعادن.
الانتقال من حال إلى حال
هذه الظاهرة لا مناص من حصولها عند البشر، وهي ما يُعبَّر عنها توالي أدوار وأطوار تحدث حينما تتغيَّر فيها الاحوال الإجتماعية سواء في الأعراف والتقاليد والأذواق، أو ما يطرأ على تأويلات مفاهيم الثوابت والإعتقادات، وكذلك أثر الماديات من صناعة والالات وما يُوصف أيامنا تقنيات، ويدخل في ذلك التغيّر نمط عيش الريف والمدن.
الاعتدال في الطقس
له أثر في البلدان، ويطبع أهلها باعتدال في خَلقهم وخُلقهم وتوسط أجسامهم وسيرهم، وكذلك كثرة العمران عندهم، وظهور علوم وصنائع، وتنوع مِلَّل وشرائع وسياسة وملك.
الهواء وألوان البشر
أو كما يقول ابن خلدون عن هذا العنوان؛ أن اللون تابع لمزاج الهواء، وأن شدة الحرارة تسوِّد جلود الناس. وإفراط البرودة يؤدي إلى بياض اللون. وأن هذا البياض قد يصل إلى درجة زرقة العيون، وبرش الجلود، وصهوبة الشعور. ولهذا السبب إذا سكن جماعة من السودان في الأقاليم المعتدلة أو الباردة تبيض ألوان أعقابهم بالتدريج، وبعكس ذلك إذا سكن جماعة من أهل الشمال بالجنوب تسود ألوان أعقابهم.
ويذهب ابن خلدون أن الهواء له أثر في أخلاق البشر، والخفة والطيش وكثرة الطرب.
وذكر في هذا الباب بعض المشاهدات المألوفة؛ الأولى ما يحدث من الفرح والسرور في سَورة الخمر وباعثها حرارة غريزية، والثانية ما يحدث من السرور والإنبساط في الحمامات وسببها حرارة الهواء وما يطرأ فيها من غنء .
خصب الأراضي وأثره على البدن
يذكر في هذا أن خصب الأراضي يهب من يعيش عليها تنوع في الأغذية، وهذا العيش هو بوجه عام يطال الأبدان. وفي هذا تتبع شرحه عن حيوان القفار ومواطن الجدب، من الغزال والنعام والمها والزرافة والحمر الوحشية والبقر، مع أمثالها من حيوان التلول والأرياف والمراعي الخصبة، كيف تجد بينها بونا بعيدا في صفاء أديمها وحسن رونقها، وأشكالها، وتناسب أعضائها، وحدة مداركها؛ وما ذلك إلا لأجل أن الخصب في التلول فعل في أبدان هذه من الفضلات الردية والأخلاط الفاسدة ما ظهر عليها أثره. والجوع لحيوان القفر حسَّن في خلقها وأشكالها ما شاء. ولهذه الأسباب يرى ابن خلدون أن كثرة الأغذية تؤثر تأثيرا سيئا في الأجسام والأخلاق.
العصبية فيها مدافعة ومغالبة
وأكثره يتم بالنسب؛ لأجل التناصر في ذوي الأرحام والقربى، والتخاذل في الأجانب والبعداء. والولاية والمخالطة بالرق أو بالحلف تنزل منزلة ذلك، وتتشرب العصبية بالعِشْرة والمدافعة وطول الممارسة والصحبة بالمربى والرضاع، وسائر أحوال الموت والحياة.
الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه يتوسَّع ويتعمَّق هذا المفهوم حين النظر إلى خصال البأس والشجاعة، والانقياد والطاعة، أو مذمومات الخلق ومحموداته، حتى الذكاء والكياسة والفطنة والنباهة، كلها نتيجة عوائد اكتسبها الإنسان بالممارسة او جُبل عليها في معيشته، أو ما يألفه من الحياة الاجتماعية، والمعروف أن النفس إذا أَلِفَت شيئا صار من جِبِلَّتها وخِلْقَتها، وإذا أَلِفَ الإنسان بعض الأحوال صار ذلك له خلقًا ومَلَكَةً وعادة، تنزل منزلة الطبيعة والجِبِلَّة.
ومزيد عن المقدمة، هنالك وفير عبارات تمتلئ مخزون تأويل نافع للتأمل وهذه بعضها؛
. القريحة مثل الضرع تزيد بالامتراء، وتجف بالترك والإهمال . العلوم والصنائع يحصل منها زيادة عقل. وكل صناعة يرجع منها إلى النفس أثر يُكْسِبها عقلًا جديدا.
. وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ، وعوائد الترف، والإقبال على الدنيا، والعكوف على شهواتهم منها؛ قد تلوَّثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر، وبَعُدَت عليهم طرق الخير ومسالكه، بقدر ما حصل لهم من ذلك. حتى لقد ذهب عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم.
ختاما
أبن خلدون نابغ متفرد، ومقدمته تمتلئ برؤى واستشرافات لها إبتكار وإعتبار، وأفكار وتعميمات تفتّقت؛ طالها إحتفاظ ونقد عند الباحثين. ومنها مثلا ما رد عليه العلامة ناجي معروف في كتابه"عروبة العلماء".