المرأة والقضاء: من قاعة الانتظار إلى منصة الحكم... وعدالة تُنعش الاقتصاد
| رجب قاسم
لم تعد قضية تمكين المرأة في القضاء مجرد شأنٍ اجتماعي أو حقوقي فحسب، بل أصبحت مسألة قانونية واقتصادية في آنٍ واحد، تمسّ بنية العدالة ومؤشرات التنمية معًا فالمجتمعات التي تفتح أبواب المنصة القضائية أمام المرأة لا تمنحها امتيازًا، بل تستثمر في نصف طاقتها القانونية المعطلة، وتعيد تشكيل مفهوم العدالة على نحو أكثر شمولًا وإنصافًا. لقد ظلت المرأة طويلًا في قاعة الانتظار، تراقب مشهد العدالة من بعيد، قبل أن تبدأ رحلة الصعود إلى منصة الحكم ومع هذا التحول، تغيّر الخطاب القانوني الدولي ذاته، فأصبحت المساواة في تولي المناصب القضائية أحد مؤشرات كفاءة النظم العدلية في العالم. وقد أقرّ ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) – برغم التحفظ علي الكثير مما ورد بها - مبدأ المساواة في الوظيفة العامة، وألزم الدول باتخاذ تدابير تشريعية وإدارية لضمان تمثيل المرأة في مواقع صنع القرار، ومن بينها القضاء. وفي خطوة لافتة على مسرح تمكين المرأة القضائي، أعلنت الكويت في سبتمبر 2025 عن تعيين امرأتين قاضيتين في مكتب ادعاء التمييز بمجلس القضاء الأعلى، وهو أعلى هيئة قضائية في البلاد، في خطوة وُصفت بأنها نقطة تحول تاريخية في مسار العدالة الكويتية. وبالمقابل، شهدت مصر خلال الشهر ذاته أداء 48 قاضية اليمين القانونية في مجلس الدولة، ضمن قرار رئاسي رسّخ مبدأ تكافؤ الفرص وكرّس لمرحلة جديدة في مسار القضاء المصري الحديث. أما في دول مجلس التعاون الخليجي، فإن الصورة تبدو متباينة ففي سلطنة عُمان، لا تزال المرأة تنتظر فرصتها لتولي منصة القضاء، إذ لم يُعيّن حتى اليوم أي قاضية، على الرغم من عدم وجود نص قانوني يمنع ذلك صراحة غير أن المرأة العُمانية تشارك بفاعلية في المنظومة العدلية من خلال الادعاء العام، حيث تمثل نحو 20 % من أعضائه، إضافة إلى أدوارها في المحاماة والوظائف القانونية والإدارية داخل السلطة القضائية ويُتوقع أن يشهد المستقبل القريب خطوات تشريعية تمهّد الطريق أمام المرأة العمانية لتتبوأ المنصب القضائي، بما يتوافق مع الرؤية الوطنية للتوازن بين الكفاءة والعدالة. وفي المملكة العربية السعودية، بدأت ملامح التحول تظهر بوضوح، إذ تمكّنت المرأة من العمل في النيابة العامة والتحقيق، وهناك توجه نحو فتح باب التعيين القضائي تدريجيًا ضمن خطة تمكين وطنية تراعي التطور القانوني والاجتماعي في آنٍ واحد بينما سبقت مملكة البحرين نظيراتها بخطوات رائدة، فشهدت تعيين قاضيات في المحاكم العادية والشرعية والدستورية، حتى أصبحت التجربة البحرينية نموذجًا يحتذى به خليجيًا في الوعي المؤسسي بدور المرأة في العدالة. وفي الإمارات العربية المتحدة، تعود تجربة القاضيات إلى عام 2008 حين تم تعيين أول قاضية في محاكم دبي، ثم توسعت التجربة لتشمل أبوظبي والمحاكم الاتحادية، مع برامج تدريبية متقدمة تؤهل القاضيات للنظر في القضايا التجارية والاستثمارية الكبرى، وهو ما يعكس انسجام السياسة العدلية الإماراتية مع رؤيتها الاقتصادية القائمة على الشفافية والتنافسية. أما قطر، فقد اختارت نهج التدرج والتأهيل القانوني، حيث تولت النساء مناصب قضائية مساعدة وأعمالًا استشارية في المحاكم والنيابة، تمهيدًا لمرحلة تمكين أوسع. وإذا وسعنا النظر إلى الساحة العربية، نجد أن مصر سبقت معظم الدول العربية في إدماج المرأة داخل الهيئات القضائية منذ عقود، حتى بلغت نسبتها اليوم مستويات متقدمة في القضاء العادي والإداري والنيابة العامة كما أن تونس والمغرب قدّمتا نموذجين متقدمين في التمثيل النسائي داخل القضاء، ولا سيما في المحاكم التجارية وقضاء الأسرة، مما يعكس وعيًا تشريعيًا بأن المساواة في تولي الوظائف القضائية ليست ترفًا اجتماعيًا بل ضرورة لتحقيق العدالة المتوازنة. أما في أوروبا، فقد أصبح حضور المرأة في القضاء أمرًا بديهيًا لا يحتاج إلى تبرير ففي فرنسا، تشكل النساء أكثر من 60% من السلك القضائي، وفي إسبانيا تتجاوز النسبة 55%، بينما في السويد والنرويج تُعد المساواة مبدأً دستوريًا في التعيينات القضائية وتؤكد تقارير المفوضية الأوروبية أن ارتفاع تمثيل المرأة في القضاء ينعكس مباشرة على مؤشرات الثقة في العدالة والاستثمار الأجنبي، ما يربط بين العدالة والمردود الاقتصادي في علاقةٍ طردية واضحة. وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن تمكين المرأة من اعتلاء المنصة القضائية يعزّز بيئة الأعمال، إذ يشعر المستثمر أن النظام القضائي يعكس التعددية والعدالة الموضوعية، لا الانحياز لجنس أو فئة وقد أثبتت دراسات البنك الدولي أن الأنظمة القضائية التي تشهد مشاركة نسائية فعالة تسجّل معدلات أقل في الفساد الإداري، وأعلى في سرعة البت في القضايا التجارية والمالية فالمرأة القاضية، بخبرتها ورؤيتها الإنسانية، تسهم في صياغة قرارات أكثر توازنًا بين الجانب القانوني والمصلحة الاجتماعية والاقتصادية. ومن منظور القانون الدولي، تُعد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) المرجع الأهم في هذا المجال، حيث ألزمت الدول الأطراف باتخاذ التدابير الكفيلة بضمان المساواة في تولي الوظائف العامة، بما فيها القضاء ورغم التحفظات التي أبدتها بعض الدول العربية بشأن الجوانب المتصلة بالأحكام الشرعية، فإن معظمها وجد صيغًا وطنية تحقق التوازن بين الخصوصية الدينية والالتزامات الدولية، بما يحافظ على هوية التشريع الوطني ويعزّز صورته أمام المجتمع الدولي. رؤية قانونية مما لا شك فيه أن حضور المرأة في القضاء هو انعكاس لمستوى نضج المنظومة القانونية وقدرتها على استيعاب المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية إن العدالة التي تمثل فيها المرأة جزءًا من صوتها هي عدالة أكثر توازنًا وإنصافًا، لأنها تعبّر عن المجتمع بكافة مكوناته ومع ذلك، فإن بعض الدول لا تزال تنظر إلى مشاركة المرأة القضائية من زاوية تقليدية ضيقة، في حين أن الواقع الاقتصادي والإداري يثبت أن التنوع في المنظومة العدلية يزيد من كفاءتها ومصداقيتها. ولا ريب أن الموجة القادمة من الإصلاحات التشريعية في المنطقة الخليجية ستتجه نحو تمكين المرأة من اعتلاء المنصة القضائية، لا بوصفه مطلبًا حقوقيًا بل ضرورة تنموية تدعم كفاءة المؤسسات القانونية وتنعش الاقتصاد الوطني فالعدالة، في جوهرها، لا تعرف جنسًا، وإنما تعرف ميزانًا، ومن يُحسن حمل هذا الميزان — رجلًا كان أو امرأة — فهو أهلٌ لأن يعتلي منصة الحكم.