أثر التصنيف القانوني لجريمة غسل الأموال (12)

| د. عبدالقادر ورسمه

بدأت الجريمة، بكل أسف، منذ بداية الخليقة حيث أقتتل الأخوة وأعتركا وكان أحدهما الضحية المقتولة. ومن علم الاجرام “كريمنولوجي” اتضح أن جينات الجريمة موجودة في كل انسان وبدرجات مختلفة من شخص لآخر، ولكن الغالبية تتغلب عليها أو لا ترتكب جرائم تصل لدرجة أنها تكون مضرة بالآخرين، وحمانا الله وحماكم. والجريمة كانت تقليدية وفي الغالب تنحصر في القتل والأذي الجسدي والمشاجرة والسرقة والنهب والسلب والغش والتلف والتزوير والتزييق وغيره من الجرائم المعروفة الموصوفة المحددة في القانون والجميع من العامة يعلم بها بل ويعرف من يرتكبها ومتي وكيف ولماذا؟ ومع مرور الزمن تبدلت الأوضاع، وتغيرت الجريمة وتحورت وتعددت لدرجة ان حصرها صار أمرا صعبا بل تعريفها قانونا قد يكون مستحيلا، واصبح العالم ملئء بالجرائم ومرتكبيها واصبح الأمن والأمان من الأمنيات الصعبة المنال وليس هناك قلاع مشيدة نلجأ اليها لتحمينا من الجريمة وأصحابها.  أصبحت الجرائم الآن غير تقليدية بل حديثة ومعظمها بسبب وسائل التقنيات المتقدمة التي نتشدق بها صباح مساء. وفي كل يوم نتعرض جميعنا للدغات الجرائم السبرانية الالكترونية، وليس لنا عاصم منها لأنها الطوفان. وهناك نوع من الجرائم الحديثة التي تتم بصورة تقليدية وتقنية معا ويستفيد المجرم من مثل هذا الوضع ويستغله حسب الظروف لتحقيق مآربه. ومن هذه النوعية نذكر، غسل الأموال. وبصفة عامة فان جريمة  “غسل الأموال” (غسل الأموال وليس غسيل الأموال كما يذكر البعض ، لأن غسل الأموال هو المصطلح الصحيح لعملية اضفاء شرعية رائفة على أموال مكتسبة بطريقة غير شرعية) تعتبر من الجرائم الحديثة التي ظهرت وانتشرت في الآونة الأخيرة عبر فئات معينة أغلبهم من مرتكبي الاجرام الذين يعرفون جوازا بمجرمي “الياقة البيضاء” أو عبر منظمات “الاجرام الجماعي والكارتيلات الاجرامية” أو مستخدمي “الانترنت الأسود”. وهنا تتعدد الأشكال والطرق والجريمة واحدة تنخر في اقتصاد الدول وتهدد النمو للمجتمعات والأفراد دون فرز. ومع تطور الزمن وتطور الجريمة وآثارها السلبية المدمرة، كان لا بد من التحرك، وتطورت التشريعات التي تكافح هذه الجريمة الوبائية التي تدخل كل دولة دون استئذان لتنفيذ مراميها لغسل المتحصلات “القذرة” وتلويث الأجواء في كل الاتجاهات ومن حواليها. وكلما ازدهرت الجريمة وانتشي المجرمون بنتائجها كلما زادت وتعمقت آثارها السلبية في المجتمع مما يؤدي بالتالي الي صعوبة اجتثاث وجودها لأنها تجذرت وتعمقت وانتشرت في كل الأطراف وعمت كل الآفاق والربوع. وفي بداية الأمر وعند ظهور هذه الجريمة الخطيرة، كانت التشريعات الخاصة بمكافحة جريمة غسل الأموال وتوابعها خاصة تمويل الارهاب، تقوم بتحديد خاص لتلك الجرائم التي يأتي من صلبها “المتحصلات” المالية المخالفة للقانون وغير الشرعية. ومن هذا التحديد التشريعي، فان جريمة غسل الأموال كانت لا تتم أو تنشأ الا بعد ارتكاب تلك الجرائم التي يحصرها ويحددها التشريع. وبسبب هذا النمط الفكري ظلت هذه التشريعات تتباري في ذكر الجرائم التي تعتبر “المتحصلات” الناتجة منها “قذرة” وغير شرعية ومخالفة للقانون، وبالتالي فان العمل علي “غسلها” وتنظيفها لنقلها لمرحلة الشرعية يعتبر جريمة “غسل أموال”. وبدون ذكر للتشريعات التي تحصر الجرائم التي تأتي منها “المتحصلات” الاجرامية، نشير الي أن بعض الأنظمة والقوانين الخاصة كانت تنص في أحكامها ويتم تصنف وتحديد الجرائم التي تشكل متحصلاتها جريمة غسل الأموال وكانت هذه الجرائم، في بداية الأمر، لا تتعدي عشرة (10) أنواع من الجرائم. ولكن في الفترة الأخيرة وصل التصنيف الي اكثر من خمسة وعشرين (25) نوعا من الجرائم التي تعتبر متحصلاتها مصدرا لغسل  الأموال. ومن أبرز هذه الجرائم، والتي تعتبر مصادر جديدة وغير تقليدية، نذكر تقليد السلع، التستر التجاري، الغش في الأسعار، التهرب الجمركي والضريبي، وغيره من الجرائم المتعلقة بالأنشطة التجارية كالغش في الأصناف والأوزان والأنواع، الرشوة، التزييف، التزوير، القرصنة والابتزاز، الاختطاف وحجز الرهائن، الدعارة والرق الأبيض وممارسة الفجور والاستغلال الجنسي، السطو المسلح والسلب، النصب والاحتيال، جرائم البيئة، اختلاس الأموال العامة والخاصة، السرقة، ممارسة الوساطة في أعمال الأوراق المالية دون ترخيص أو الاهمال في أعمال الوساطة في عدم التبليغ عن العمليات المشبوهة لغسل الأموال، مزاولة الأعمال المصرفية بطريقة غير مشروعة أو الاهمال في التبليغ عن العمليات المشبوهة لغسل الأموال، تمويل الإرهاب بكافة أشكاله، تهريب الأسلحة والذخائر والمتفجرات أو تصنيعها أو الاتجار بها، تهريب الخمور والمسكرات أو تصنيعها أو المتاجرة بها أو ترويجها... بل إن التبرع في صندوق التبرعات ووضع “الفكة المعدنية” المتبقية من حساب السلع التي يشتريها المستهلكون من متاجر المواد الغذائية وغيرها تندرج ضمن مؤشرات الشبهة لغسل الأموال (ولذا تحتاج لترخيص)... يتبع