هل ينفجر “جنون” الذكاء الاصطناعي على غرار فقاعة “الدوت كوم”؟
| ياسر سليم
هل تذكرون فقاعة الدوت كوم قبل ربع قرن تقريبا؟ يومها، عام ٢٠٠٠، استيقظ آلاف على كابوس خسائر مريعة، كانوا حملة أسهم شركات انترنت كبرى لم يعد لمعظمها وجود اليوم، ولم يصمد منها سوى عدد محدود أشهرها ياهو وأمازون، بعد حلم طويل واستثمارات مهووسة لا تنظر للعوائد، استمرت لخمس سنوات تقريبا. ثمة مخاوف من أن يتكرر السيناريو اليوم مع الهوس بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي، فهل يوشك الحلم الذي دوّخ العالم على أن ينفجر في وجه صانعيه؟ سؤالٌ يتردّد اليوم في أروقة المال والتكنولوجيا، فبينما تتسابق الشركات الكبرى إلى ضخ المليارات في خوادم وشرائح ومعالجات مشروعات الذكاء الاصطناعي، تتضاءل الإيرادات في المقابل، ويبدو المشهد مزيجًا من النشوة والحذر. مؤشرات الفقاعة والتكاليف الهائلة الأرقام تتحدث بمؤشرات مقلقة: من بين نحو 800 مليون مستخدم لتطبيق “تشات جي بي تي”، لا تتجاوز نسبة المشتركين المدفوعين 5 % فقط. ورغم هذا العائد الهزيل، أنفقت شركات التكنولوجيا الخمس الكبرى — ميتا، أمازون، مايكروسوفت، جوجل، وتسلا — ما يقارب 560 مليار دولار خلال عامين على بنية تحتية مخصصة للذكاء الاصطناعي، في حين لم تتجاوز الإيرادات الفعلية للقطاع 35 مليار دولار. في المقابل، تمضي أوبن إيه اي في سباق شراء الرقائق الإلكترونية بوتيرةٍ محمومة، بعقودٍ تُقدَّر بقدرة تشغيل تُعادل 20 مفاعلاً نووياً. ومع أن الشركة تُتوقع أن تحقق 13 مليار دولار من الإيرادات في 2025، إلا أن خسائرها السنوية مستمرة، ولا تترقب الربحية قبل 2029. تمويلات مُجازفة وأساليب غير مألوفة ولتمويل هذه الطفرة، تلجأ الشركات إلى ما يُعرف بـ “التمويل الدائري”، حيث يموّل المورد الزبون ليشتري منتجاته. فشركة إنفيديا — رائدة الرقائق — تعهدت بشراء أسهم اوبن ايه اي بقيمة 100 مليار دولار على سنوات، بينما منحت إيه إم دي الشركة نفسها أسهماً قد تبلغ قيمتها عشرات المليارات دون مقابل، في صفقة وصفها المحللون بأنها “سلوك غير سليم”. ومع تضخّم الالتزامات، لا يبدو رأسمال “إنفيديا” كافياً لتغطية الفاتورة؛ ما يدفعها إلى الاقتراض باستخدام الرقائق كضمانة، وهي مجازفة كبرى في سوقٍ سريع التقلّب. في المقابل، تواصل شركات مثل جوجل وميتا اعتمادها على سيولتها النقدية الوفيرة، متجنّبةً الانخراط الكامل في سباقٍ قد يتحوّل إلى هاوية.
وسوق العمل؟
هذه العاصفة المالية، تتسرب آثارها إلى سوق العمل كشف المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن مهن الصحافة والإعلام هي الأكثر عرضة للأتمتة بنسبة 72 %، تليها المحاسبة بنسبة 58 %. وتشير الدراسة إلى تراجع الطلب على وظائف الياقات البيضاء الإدارية والمكتبية خلال الربع الثالث من 2025، مقابل زيادة في وظائف الياقات الزرقاء الحرفية والمهنية — في انعكاس لثورة تستبدل المهام الروتينية بذكاءٍ رقميّ، لكنها تترك مساحاتٍ للبشر في الإبداع والمهارة اليدوية. ومع ذلك، يرى خبراء مثل جوش ليرنر، أستاذ المالية في هارفرد، أن “الطلب الحقيقي” على الذكاء الاصطناعي بأشكاله المتعددة ما يزال يتصاعد، مشيرًا إلى أن اوبن ايه اي تسجّل “أقوى نموّ شهدته شركة برمجيات في التاريخ”. بين الوعد والفقاعة
يقف العالم إذن أمام مفترقٍ دقيق: بين وعودٍ مستقبليةٍ هائلة تُغري بالرهان، وطبيعةٍ مضاربةٍ تذكّر بأيام “الدوت كوم”. فهل نحن أمام ثورةٍ تكنولوجيةٍ ستغيّر وجه الاقتصاد، أم فقاعةٍ عملاقة تنتظر لحظة الانفجار؟ المستثمرون يواصلون الرهان، لكن النتيجة النهائية لهذا “الانحراف الاقتصادي” ما تزال غامضة — بين فجرٍ جديد… أو ارتطامٍ صاخبٍ في ليلٍ تكنولوجيٍّ طويل.
*كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي