عن السلام..
| د. أحمد بن سالم باتميرا
إن تحقيق السلام الشامل والأمن الدائم يستحيل دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، ونأمل هذه المرة أن تكون اتفاقية “سلام شرم الشيخ” لحظة تاريخية تعكس كل التوقعات وتسهم في تحقيق الأمن والاستقرار لأهل غزة وفلسطين عامة، بعد أن عجز المجتمع الدولي عن تحقيق ذلك خلال سنتين من حرب الإبادة والتطهير والجوع وخلال ستة وسبعين عامًا على الاحتلال. كل الدلائل والمؤشرات والوقائع على الأرض تؤكد أن الحرب على غزة لم تنتهِ، والدليل الاعتداء الإسرائيلي الأخير على عائلة شعبان، لذا فالرئيس ترامب والوسطاء مدعوون لمتابعة تجاوزات الاحتلال، وإلزامه باحترام اتفاق وقف الحرب، والتدخل لإيقاف هذا التعنت، فالولايات المتحدة، الداعم الأول والمغذي الرئيس لإسرائيل بالأسلحة والمال والزاد والمؤن، عليها الوفاء بالتزاماتها القانونية والأمنية. كل شيء سار على ما يرام في مدينة السلام، ولكن ذلك لا ينسينا أن المقاومة صمدت وانتصرت في هذه المرحلة من الطوفان بفضل صبر وإيمان وعزيمة أبنائها، وقد تكون المرحلة القادمة أصعب على أهل غزة وفلسطين عموما إذا ظلت السياسة الأميركية على موقفها. فالشكر موصول للقادة الذين وقعوا على الاتفاقية والضمانات، والذين لعبوا دور الوسيط للوصول إلى هذه الوثيقة في “شرم الشيخ”، والتي نأمل أن تفتح بابًا للسلام الحقيقي في الشرق الأوسط.
فهل سيتحقق السلام؟! أي سلام وأصحاب القضية يمنعون من دخول مدينة نيويورك لإلقاء الخطاب السنوي لهم في مجلس الأمن؟ أي سلام سيتحقق والهدف كما يدعون ليس غزة فقط؟! فإرادة الشعوب هي التي ستحقق السلام، والفرح يكتمل بالتطبيق الفعلي لما تم الاتفاق عليه. وخطاب ترامب في الكنيست مازال عالقًا في الآذان، فأعيدوا سماعه مرات ومرات: “أمن إسرائيل لن يعود مهددًا”، وشكرًا “يا بيبي”، “قمت بعمل رائع. لم تكن شخصية سهلة في التعامل، لكن هذا ما يجعلك عظيمًا”. البنادق لم تسكت إلا من جانب واحد، والاختراقات والاعتداءات الإسرائيلية مستمرة، والشعب الغزاوي صابر صبر أيوب ولن يتزعزع من أرضه. وإطلاق سراح مئتين وخمسين أسيرًا فلسطينيًا محكومين بالسجن المؤبد والأحكام العالية ومجموعة كبيرة من الأسرى أيضًا، لن يحرك شيئًا من قوتهم والتنازل عن قضيتهم. فالحقيقة والحرب مؤلمة، ومن هنا يجب على صناع القرار وقف الحرب ودخول المساعدات والالتزام بمبدأ السلام الذي يقوم على عدم حرمان أي شعب من حقوقه المشروعة. نعرف يقينًا أن الرئيس ترامب لديه القدرة على إنهاء هذا الصراع الذي دام أمده، وطال زمنه، وتحقيق مشروع السلام النهائي، لما يملكه من صفات متعددة تؤهله لهذا الأمر، والسعي للاعتراف بدولة فلسطين مثل فرنسا وبريطانيا. ولا يمكن لعاقل أن يُنكر حقيقة ما حدث خلال سنتين من الحرب، ولا يمكن لعاقل أن يُنكر أن أهل غزة استطاعوا مقاومة العصابات المسلحة والمعدات العسكرية خلال أربعة وعشرين شهرًا. فمرحبًا بالسلام إن كان منصفًا وعادلًا. فكل ما يتمناه كل عربي نزيه أن تحقق وثيقة شرم الشيخ أهدافها، وأن يسود السلام المنطقة. فالدولة المحتلة وحلفاؤها عانوا من هزيمة سياسية استراتيجية خلال الفترة الماضية، وعلينا استغلالها. فالسلام هو خيار العقلاء في العالم، والرئيس الأميركي قادر على إلزام إسرائيل بقبول السلام ووقف الحروب، فالحرب كانت قاسية على أهلنا في غزة، وقد دقت ساعة السلام، وعلينا تثبيتها، ليعود أهل غزة لسكناهم ويُعاد تعمير ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية الأميركية بأموالهم. والله من وراء القصد.
كاتب ومحلل سياسي عماني