الواسطة تصنع الأسماء وتخنق القيمة

| أسامة الماجد

 تتأسس العملية النقدية كما يعلم الجميع وحسب خبراتنا وقراءاتنا على قدرة الناقد على الغوص والنفاذ إلى أعماق النص الأدبي، واكتشاف عناصره المحورية والهامشية، ومن ثم التحليل الواعي الذي يضع المتلقي أمام كوامن النص، ويساعد المبدع في الوقت نفسه على اكتشاف وتطوير قدراته الإبداعية. من هذا المنطلق تبرز أهمية النقد كموجِّه رئيس لعملية التذوق الجمالي، فهو يرشد المتلقي ويهيئه لاستقبال العمل الفني. فإذا غاب النقد، أو انصرف إلى هوامش الحياة الثقافية، اتسعت الهوة بين طرفي العملية الإبداعية، وأدى ذلك إلى انعزال المبدع، ودفع المتلقي شيئاً فشيئاً إلى أعماق التخبط واللامبالاة والتخلف، ومن ثم تكريس السيئ والهامشي على حساب المتميز والجاد. في ساحتنا الثقافية البحرينية، الجميع يريدك أن تجامل، وأن ترفع من قيمة نصٍّ سيئ، وأن تنعت فلاناً بالشاعر أو الروائي وهو لا يستحق اللقب. لا أحد يريد كلمة الحق، أو القراءة الجادة، أو التمحيص والتثمين، إنما “الواسطة” ووضع فلان في المكان الذي لا يستحقه، لهذا نجد أن المتلقي، وبسبب كل ذلك، اتجه إلى الأعمال الركيكة الحاصلة على درجة الصفر في الترابط والأنماط. إصدارات لا تساوي فلسًا واحدًا، لمهرجين ومزيفين، لكنهم وجدوا من يجاملهم ويغرد لهم مثل البلبل، ويضحك لهم مثل الأطفال. وهنا يشعرون براحة كبيرة، طالما أن النقد الحقيقي بعيد عنهم. إنهم أشبه بالضيف الذي يفرض نفسه بلا ترحيب، وهؤلاء هم سبب ضعف ساحتنا الثقافية، ودمار فكر المتلقي، وتلويث ذائقته، وإغرائه بالسباحة في مستنقعات التخلف وتكريس الرديء.