حين يفقد الوالدان احترامهما لأجل “لايك”
| إبراهيم النهام
لم يعد البيت بيتًا اليوم، ولا الأسرة أسرة، صار كل شيء قابلًا للنشر: خلافات الزوجين، لحظات الغضب، وجبات الغداء، وحتى بكاء الأطفال. كل ذلك يُعرض على الملأ، بلا خجل، بلا حدود، وبلا أدنى احترام لخصوصية الحياة الأسرية. المشكلة ليست في التقنية، بل في العقلية. أب وأم يفتحان الكاميرا كل صباح، ويبدآن يومهما ببث مباشر: “صباح الخير يا متابعين، شوفوا كيف صحينا!”، ثم يتوالى العرض: الطفل يبكي؟ ممتاز، محتوى مؤثر.. الزوجة غاضبة؟ رائع، ترند جديد. كل شيء يُستغل، وكل لحظة تُباع. هؤلاء لا يصنعون محتوى، بل يفضحون أنفسهم، ويقتلون الخصوصية، ويحوّلون العلاقة الأسرية إلى مسرح مفتوح.. لا احترام لحرمة البيت، ولا تقدير لمشاعر الأبناء، ولا وعي بعواقب هذا الانكشاف المَرَضي. الطفل في هذه المعادلة مجرد تفصيل. يُستغل حين يُضحك، ويُعرض حين يُخطئ، ويُستخدم كأداة لجذب التفاعل. لكن التركيز الحقيقي يجب أن يكون على الأبوين: من سمح لنفسه أن يفتح باب بيته للعالم، ويعرض تفاصيل حياته كأنه في برنامج واقع؟ من قرر أن يبيع لحظاته الخاصة مقابل إعلان أو شهرة زائفة؟ الدكتورة أمل رضوان، استشارية العلاقات الأسرية، تقولها بوضوح: “الفنان أو المؤثر الذي يشارك جمهوره تفاصيل حياته الخاصة، يضر بالمجتمع ويشوّه صورة الأسرة. الحياة الشخصية ملك لنا، وليست للجمهور”، وهي بذلك تضع إصبعها على الجرح: ما يُعرض ليس توثيقًا، بل تهريجًا. أما الشيخ كمال الدين ناصر، من الأزهر الشريف، فقد حذّر من هذا السلوك قائلًا: “نشر تفاصيل الحياة الأسرية على السوشال ميديا يعرض الشخص للحسد والمشاكل، وقد يؤدي إلى الطلاق. الكسب من وراء الخصوصيات الأسرية غير شريف تمامًا”، كلمات تحمل وزنًا دينيًا وأخلاقيًا، وتكشف حجم الخطر الذي لا يراه كثيرون. الأسرة ليست محتوى، والبيت ليس استوديو، هناك فرق بين مشاركة مفيدة، وبين فضح يوميات لا تعني أحدًا. هناك فرق بين التوثيق، وبين التهريج. ما نراه اليوم ليس حرية، بل فوضى. ليس تواصلًا، بل استعراضًا. والنتيجة؟ جيل من الأطفال لا يعرف معنى الخصوصية، وآباء فقدوا احترامهم لأنفسهم قبل أن يفقدوه أمام الآخرين.