مهرجان البحرين للموسيقى.. إبداع ما بعده إبداع
| زهير توفيقي
كل عام، تثبت هيئة البحرين للثقافة والآثار أن للفن في هذا الوطن روحًا لا تخبو، وأن الموسيقى لغة عالمية تتقن البحرين الحديث بها منذ عقود. وقد جاءت النسخة الرابعة والثلاثون من مهرجان البحرين الدولي للموسيقى، والتي انطلقت في الثاني من أكتوبر الجاري واختتمت في السادس عشر منه، تجسيدًا حيًّا لهذا الشغف الذي لا ينطفئ. بدأ المهرجان بتحية للزمن الجميل في أمسية رائعة مع دار الأوبرا المصرية في ذكرى الراحلة أم كلثوم، لتستهل الذكريات رحلتها بين الحنين والإعجاب، ثم واصل تألقه مع المايسترو القدير مبارك نجم مع أوركسترا البحرين الفيلهارمونية الذي عزف بأنامله عبق البحرين وإيقاعها الأصيل في ذكرى الفنان الراحل علي بحر، حتى بلغ الختام قمته بفرقة البحرين للموسيقى بقيادة المايسترو الشاب زياد زيمان الذي ورث من والده المايسترو خليفة زيمان الإبداع والتألق، فكان الختام مسكًا كما يليق بهذا الحدث العريق. ولم يكن المهرجان محليًا فحسب، بل عالمي الهوى والهوية، إذ جمع فرقًا موسيقية من مختلف دول العالم في توليفة متناغمة من الإبداع والانسجام، لتؤكد أن مملكة البحرين، الصغيرة بمساحتها، كبيرة بحضورها الثقافي والفني. لا شك أن مثل هذه المهرجانات لا تُسهم في إثراء الذوق العام فحسب، بل تزرع في النفوس احترام النظام، وتقدير الجهد الجماعي، والالتزام بالمواعيد، وهي قيم تشبه روح القانون في جوهرها. فالفن الراقي، مثل القانون، يهذب السلوك ويقوّم الذوق ويعزز الانتماء إلى الوطن بروح راقية ومسؤولة بعيدة عن التعصب والتشدد. ويبقى الفن صوتًا صادقًا حين تسكت الأصوات الأخرى، وجسرًا بين الشعوب حين تهدم السياسة الجسور. شخصيًّا، أحرص كل عام على حضور معظم هذه العروض، إن لم تكن جميعها، لما تحمله من جمال وإتقان وتنظيم رفيع المستوى. فالمهرجان ليس مجرد حفلات، بل هو كرنفال للذوق الرفيع ورسالة فنية تعكس الوجه المشرق للثقافة البحرينية. ولا يمكن أن يكتمل الحديث من دون الإشادة بالجمهور البحريني، ذلك الجمهور الواعي الذي يملأ القاعات عشقًا واحترامًا للفن الراقي، ويمنح المهرجان روحه الحقيقية بتذوقه الرفيع وحضوره اللافت. تحية خالصة لهيئة الثقافة والآثار ممثلة في رئيسها معالي الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة وجميع منتسبي الهيئة على هذا الجهد المستمر والمتميز في الحفاظ على هوية البحرين الثقافية، وتحية خاصة لكل فنان وموسيقي شارك في رسم لوحة الجمال هذه. ففي زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات، تبقى الموسيقى في البحرين نبضًا للروح وذاكرةً للوطن.
كاتب وإعلامي بحريني