خربشة ومغزى.. "ابن خلدون ،، فتَّق العلمُ ذهنَه في مقدمته"

| احمد عبدالله الحسين

ابن خلدون فتَّق العلمُ ذهنَه في مقدمته، أي حرَّكهُ وأخصبه، وأصبح توالي أراءه مدار بحث عبر الأجيال.

ولا غرو في ذلك فهو عالم تاريخ ورائد في علم الاجتماع والسكان(الديموغرافيا).

والمقدمة تاج كتابه الموسوعي "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، وقد طُبع كذلك تحت عنوان تاريخ ابن خلدون.

ابن خلدون اسمه عبد الرحمن بن محمد وينسب إلى خالد(خلدون) الحضرمي، نزحت أسرته من اليمن إلى الأندلس زمن الفتح، ومن الأندلس إلى تونس عند الجلاء. وهذا ما كتبه هو بنفسه في ترجمة حياته الملحقة بتاريخه.

ولد في تونس عام 1332م عصر حكم الحفصيين، وتوفي في مصر سنة 1406م. تأثر بابن رشد، ووافقه الرأي على أن الخوض في الفلسفة ومرادها الحكمة، لابد من الإلمام بعلوم الشرع حتى لا يضل العقل ويتوه في مجهال الفكر.

أما جده خالد أُضيف واو ونون لأسمه ليصبح خلدون، وهذه صفة تعظيم عند أهل الأندلس والمغرب.

بدأ ابن خلدون في العقد الخامس من عمره 45 في تدوين مؤلفه التاريخي"العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، ويُعرف كتاب العبر.

ونسخته الأولى كانت عام 1394م. وقدمت نسخة من الكتاب كاملا إلى الملك الظاهر برقوق وهو شركسي حكم مصر، وهذه النسخة سماها كتاب الظاهري، ثم أرسل نسخة أخرى مهداة إلى سلطان المغرب أبي فارس عبد العزيز، وأوقفها على خزانة الكتب في جامع القرويين بفاس، وعُرفت النسخة الفارسية، ومن هذه النسخة نقلت جميع الطبعات المتداولة في العالم العربي، ويطلق الآن اسم مقدمة ابن خلدون على المجلد الأول، من كتاب العبر والمعروف كذلك تاريخ ابن خلدون.

وقد حفظت مكتبتا أيا صوفيا، والسلطان أحمد الثالث في إسطنبول، نسختين من كتاب العبر، عدهما الدارسون من أوثق النسخ.

تعددت الطبعات والترجمات للمقدمة أولها في باريس عام 1858م للمستشرق الفرنسي كاترومير، ومنها ظهرت ترجمة المستشرق دي سلان الفرنسية، بعد ذلك ترجمة المستشرق الألماني روزنتال عام 1958م إلى اللغة الإنجليزية، وكذلك ترجمة صبحي بن شامان إلى التركية، وترجمة أخرى حديثة ليوسف خوري إلى اللغة البرتغالية.

مقدمة ابن خلدون عند الباحثين مثابة كتاب منفصل، وعلم التاريخ وفلسفته جوهرها، وفيها علم أسماه علم العمران، الذي هو الاجتماع الإنساني، وأُطلق عليه لاحقا علم الاجتماع خلال القرن التاسع عشر ميلادي. وهو سبق تاريخي يُقدر قرابة خمسة قرون لما ذكره الفيلسوف أوغست كونت حين تكلم عن الفلسفة الوضعيه، ولهذا ابن خلدون الجد الأعلى للعلماء الاجتماعيين كما وصفه المستشرق الفرنسي كارا دو فو في كتابه مفكرو الإسلام.

ومزيد ذكر أن المقدمة شملت النظر في مجتمع البدو والحضر، وما يتصل بعلم الاجتماع البشري والسياسي، وتكلم عن المدن والأمصار، وصلة الاقتصاد بعلم الاجتماع وغيرها. وهنالك من يعتبر ابن خلدون بذر نواة لما دونه المفكر الألماني كارل ماركسفي كتاب رأس المال.

وإلى مقال قادم حول ابن خلدون وبعض ما تناولته مقدمته في تطور المجتمعات والدول وتكوين الطبائع والسجايا، والعصبية وأثرها على المغالبة والمناصرة وغيرها.