اتفاق على حافة الصمت: قراءة قانونية في هدنة تنتظر الاختبار

| رجب قاسم

مما لا شك فيه أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار يمثل لحظة فارقة في مسار النزاعات المسلحة، إذ يعكس رغبة المجتمع الدولي في كبح جماح الحرب وإفساح المجال أمام صوت العقل والدبلوماسية والاتفاق الأخير الذي أُعلن عنه بوساطة دولية وإقليمية، جاء ليعيد الأمل في تهدئة الأوضاع وإعادة بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة وتهيئة المناخ لمسار سياسي أكثر استقرارًا، خصوصًا في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات ممتدة في غزة واليمن والسودان وما خلفته من كوارث إنسانية واقتصادية تهدد الأمن الإقليمي والعالمي على حد سواء. غير أن التجارب السابقة أثبتت أن الهدنات لا تُقاس بإعلانها، بل بمدى احترامها وأن الاتفاقيات لا تكتسب قوتها من التوقيع عليها فحسب بل من الإرادة السياسية في تنفيذها، ومن وجود آليات قانونية واضحة للمساءلة عن أي خرق محتمل. الإطار القانوني الدولي للاتفاقات ووقف إطلاق النار من الوجهة القانونية، يُعد اتفاق وقف إطلاق النار التزامًا مزدوج الطبيعة، فهو من جهة اتفاق سياسي يُبرم بين أطراف النزاع أو تحت رعاية الأمم المتحدة، ومن جهة أخرى التزام قانوني يخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني وتنص اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية لعام 1977 على أن أي عمل عدائي بعد إقرار الهدنة يُعد خرقًا للقانون الدولي الإنساني، ويثير مسؤولية الدولة أو الجهة المسلحة التي قامت به. وتؤكد المادة (33) من ميثاق الأمم المتحدة على أن تسوية النزاعات يجب أن تتم بالوسائل السلمية، فيما تحظر المادة (2/‏4) اللجوء إلى القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي وبالتالي، فإن أي خرق للاتفاق يُعد تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، يخول لمجلس الأمن اتخاذ تدابير قد تصل إلى فرض العقوبات أو التدخل تحت الفصل السابع من الميثاق.  ولم يقتصر دور القانون الدولي على النصوص النظرية، بل تجسّد في سوابق عملية عديدة فالاتفاق الذي أنهى الحرب الكورية عام 1953 تضمن آلية دقيقة لمراقبة وقف إطلاق النار من خلال لجنة هدنة عسكرية ضمت ممثلين عن الطرفين، إلا أن غياب المساءلة الصارمة أدى إلى خروقات متكررة. وفي اتفاق دايتون للسلام في البوسنة والهرسك عام 1995، تولى حلف الناتو الإشراف العسكري المباشر على تنفيذ وقف النار، وارتبطت المساعدات الدولية بإثبات الالتزام ببنود الاتفاق، مما جعله من أنجح النماذج في التاريخ الحديث. أما في اتفاقيات اليمن المتعددة، فقد كانت أبرز الإشكالات في غياب جهة مراقبة محايدة توثق الخروقات، مما أفقد تلك الاتفاقات قيمتها القانونية والعملية معًا وهكذا، يظل معيار الفاعلية في أي هدنة دولية مرتبطًا بوجود آلية رقابة ومحاسبة مستقلة، تضمن ألا تتحول النصوص إلى مجرد حبر على ورق.

الخرق كجريمة دولية ومسؤولية الدولة

حال خرق أي اتفاق لوقف إطلاق النار، فإن المسؤولية الدولية تنشأ وفق قواعد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا كما أقرّتها لجنة القانون الدولي بالأمم المتحدة ويُعدّ الطرف الذي يبدأ العدوان أو ينتهك الاتفاق مسؤولًا عن الأضرار البشرية والمادية الناتجة عن خرقه، كما يجوز لمجلس الأمن أن يصف هذا الفعل بأنه “عدوان” بموجب قراره رقم (3314) لعام 1974.

وفي إطار المحاسبة، يمكن للأطراف المتضررة اللجوء إلى محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية في حال ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أثناء خرق الهدنة وقد أثبتت السوابق في النزاع اليوغوسلافي والرواندي أن القانون الدولي، متى توفرت الإرادة السياسية، قادر على تحويل الخرق العسكري إلى مسؤولية جنائية قابلة للعقاب.

البعد الاقتصادي لاتفاقات وقف إطلاق النار

اقتصاديًا، يمثل وقف إطلاق النار فرصة لإعادة دوران عجلة التنمية، فهو بمثابة “النافذة الاقتصادية للسلام” فالمؤسسات المالية الدولية تربط غالبًا بين ضخ المساعدات واستقرار الأوضاع الأمنية وتشير دراسات البنك الدولي إلى أن كل عام من الحرب الأهلية يكلف الدولة نحو 30 % من ناتجها المحلي الإجمالي، بينما يؤدي الالتزام بالهدنة إلى زيادة النمو بنحو 2–4% خلال السنوات الأولى من الاستقرار.

أما في المنطقة العربية، فقد أظهرت تجربة اتفاق أوسلو عام 1993 أن وقف إطلاق النار المؤقت يمكن أن يفتح الباب أمام مشروعات اقتصادية مشتركة، إلا أن أي خرق أمني لاحق يؤدي فورًا إلى تجميد الاستثمارات وتعطيل المساعدات وبذلك، يتبين أن احترام الاتفاقات لا يحقق فقط السلم، بل يشكل استثمارًا طويل الأمد في الاقتصاد الوطني والإقليمي.

وفي المقابل، فإن خرق الاتفاقات يترك آثارًا مالية مدمّرة فعودة العمليات العسكرية تعني تحويل الموارد من التنمية إلى التسليح، وتجميد التجارة، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة ويكفي النظر إلى ما جرى في السودان بعد انهيار اتفاق الهدنة في 2023، حيث هبطت قيمة العملة الوطنية بنسبة تفوق 80 %، وتراجع الناتج الزراعي نتيجة توقف سلاسل الإمداد وهكذا، فإن الالتزام القانوني بالاتفاق يوازيه التزام اقتصادي لحماية استقرار الدولة وأمنها الاجتماعي.

الرقابة الدولية وآليات الردع

يمكن لمجلس الأمن، بناءً على تقارير الأمين العام أو المراقبين الدوليين، أن يتخذ عدة خطوات حال وقوع خرق، تبدأ عادة بالإدانة السياسية، ثم فرض العقوبات أو إنشاء بعثة مراقبة دائمة (كما في جنوب لبنان ضمن قوات “اليونيفيل”)، وقد تصل إلى إصدار تفويض باستخدام القوة لضمان تنفيذ الاتفاق. كما يمكن للأمم المتحدة أو المنظمات الإقليمية – مثل الجامعة العربية أو الاتحاد الإفريقي – أن تنشئ لجانًا مشتركة للتحقيق وتوثيق الخروقات، وهو ما يسهم في بناء سجل قانوني يمكن الاحتجاج به أمام المحاكم الدولية أو مجلس الأمن مستقبلاً.

الهدنة في اختبارها الأول

الاتفاق الأخير الذي جاء بوساطة دولية يشكّل اختبارًا جديدًا لمدى جدية الأطراف في تغليب منطق القانون على صوت السلاح فالمرحلة القادمة لا تقل خطورة عن المعارك ذاتها، إذ أن إدارة السلام أصعب من إدارة الحرب فاحترام خطوط التماس، وضمان مرور المساعدات، والتزام الأطراف بعدم التصعيد الإعلامي أو العسكري، كلها عوامل تحدد مصير الاتفاق. وفي ضوء التجارب السابقة، يتعين على الجهات الراعية للاتفاق أن تضع آلية قانونية واضحة للرصد والإبلاغ، وأن تربط أي دعم اقتصادي لاحق بمدى الالتزام ببنوده، حتى لا يتحول الاتفاق إلى مجرد هدنة شكلية سرعان ما تنهار أمام أول اختبار ميداني.

من منظور خليجي

من منظور خليجي، فإن دول مجلس التعاون أدركت باكرًا أن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق إلا بسيادة القانون واحترام الاتفاقات الدولية، وأن دعم السلام ليس خيارًا دبلوماسيًا بل واجب استراتيجي لحماية الأمن الجماعي ومصالح الشعوب وقد برز الدور الخليجي — ولا سيما البحرين وسلطنة عُمان والسعودية — في دعم مسارات التهدئة، سواء عبر الوساطة أو عبر توظيف أدوات الاقتصاد في خدمة السلام، من خلال تقديم المساعدات المشروطة بالالتزام بالقانون الدولي والهدوء الميداني. إن هذه السياسة الرشيدة تمثل تجسيدًا لمبدأ “القانون قبل القوة”، إذ تربط المساعدات والاستثمارات بمدى احترام الأطراف لالتزاماتها الإنسانية، وبذلك تتحول أدوات الاقتصاد إلى رافعة للسلام لا مجرد وسيلة نفوذ.

ولا شك أن هذا النهج المتوازن يعزز مكانة الخليج كقوة إقليمية مسؤولة تسعى لتثبيت مبدأ الشرعية الدولية، ويؤكد أن السلم ليس هدية تُمنح بل ثمرة تُصان بالالتزام فحماية الاتفاقات لا تكون بالبيانات بل بالمتابعة القانونية والاقتصادية، وبإرادة سياسية تُدرك أن السلام الدائم هو الاستثمار الأهم في مستقبل المنطقة.

رؤية قانونية

إن احترام اتفاقات وقف إطلاق النار ليس مجاملة سياسية، بل التزام قانوني وأخلاقي واقتصادي يرتبط بمبدأ حسن النية في تنفيذ المعاهدات الدولية المنصوص عليه في اتفاقية فيينا لعام 1969 إن خرق الاتفاقات يهدد بنسف مفهوم الشرعية الدولية ذاته، ويعيدنا إلى شريعة القوة بدل قوة القانون. ومن ثم، فإن واجب المجتمع الدولي قانونًا وأخلاقيًا أن يضمن آليات الردع لا مجرد إصدار البيانات، وأن يربط أي دعم اقتصادي أو سياسي بمستوى التزام الأطراف بالاتفاق. فالسلام لا يُصان بالنيات، بل بالمحاسبة، ولا يُبنى على الصمت، بل على احترام قواعد القانون إن الاتفاق الأخير فرصة لاختبار جدية الأطراف وقدرة القانون الدولي على أن يكون سلطة فاعلة لا مجرد شاهد على الأحداث فإما أن تثبت الهدنة أنها بداية طريق نحو سلام دائم، أو تُضاف إلى سجل طويل من الهدن التي انتهت كما بدأت... على حافة الصمت.

مستشار مصري مقيم في عُمان