ازدهار الحركة المسرحية في البحرين في أربعينات القرن العشرين

| د. منصور محمد سرحان

لعب المسرح دورًا مؤثرًا في الحركة الثقافية والفنية في البحرين، وساعد على خلق مناخ ترفيهي، كما أفرز العديد من المواهب الفنية إبان نشأته ومراحل تطوره. وتؤكد المصادر ازدهار الحركة المسرحية في مملكة البحرين بشكل فاق التصور في أربعينات القرن العشرين. فقد تمثلت الحركة المسرحية المزدهرة في البحرين في مسرح المدارس الحكومية، ومسرح المدارس الأهلية، ومسرح الأندية. أولًا: مسرح المدارس الحكومية بدأ المسرح المدرسي نشاطه انطلاقًا من مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق للبنين، فقدمت مسرحية (القاضي بأمر الله) في عام 1925م وهي أول مسرحية تقدمها المدرسة. وتمكنت المدرسة من تقديم ثلاث مسرحيات أخرى في عشرينات القرن العشرين وهي: (وفود العرب على كسرى) سنة 1927م، و (امرؤ القيس) سنة 1928م، و (أبو القاسم الطنبوري) سنة 1928م أيضًا، و (داحس والغبراء) سنة 1932م، وتوقفت المدرسة بعد ذلك عن تقديم المسرحيات، غير أن الراية لم تقع فقد تلقفتها مدارس البنات التي بدأت نشاطًا موافقًا في تقديم العديد من المسرحيات المعبرة عن القيم الاجتماعية. قدمت مدرسة الهداية الخليفية للبنات بالمحرق مسرحية (محبة الوالدين) في عام 1941م وهي المسرحية التي علقت عليها (جريدة البحرين) بالقول: “أما موضوع الرواية فكان اجتماعيًا يعالج ناحية مهمة جدًا من النواحي التي يأمر بها القرآن الكريم، ألا وهي محبة الوالدين واكتساب رضاهما وإيثاره على كل شيء آخر في الوجود من مال أو عقار أو تجارة. وقد تركت هذه الرواية الأثر الحسن في نفوس المشاهدات”.استمرت مدرسة الهداية الخليفية للبنات في المحرق بتقديم عروضها المسرحية التي زاد نشاطها في عقد أربعينات القرن العشرين، فبالإضافة إلى تقديمها المسرحية السابقة، قدمت المدرسة في عام 1941م عرضين مسرحيين، الأول بعنوان (كلمة الخلاص) والثاني بعنوان (ليلى ابنة الملك النعمان والأكاسرة) ومثلتها الهيئة التعليمية بالمدرسة. تمكنت مدرسة الهداية الخليفية للبنات في مدينة المنامة من تقديم عروض مسرحية في أوائل أربعينات القرن العشرين. فقد تمكنت من عرض مسرحية (لقيط الصحراء) في عام 1940م. وفي 13 مارس من عام 1940م نظمت إدارة المعارف على مسرح المدرسة مسرحية (فضائح الطليان في طرابلس) وشارك في التمثيل مجموعة من مدرسي المدارس في البحرين. وتمكنت المدرسة في الأول من مايو سنة 1942م من تقديم مسرحية (واقعة ذي قار). ثانيًا: مسرح المدارس الأهلية  لم تقتصر المحاولات الأولى الخاصة بتقديم مسرحيات على المدارس الحكومية فقط، بل ساهمت المدارس الأهلية وهي مدارس خاصة تأسست في ثلاثينات القرن العشرين في خوض تقديم مسرحيات خاصة بها. ومما زاد من أهمية ونجاح المسرحيات التي قدمتها المدارس الأهلية، كون مؤسسي تلك المدارس في بداياتها الأولى من الأدباء والشعراء الكبار. أسس الأستاذ إبراهيم العريض شاعر البحرين الكبير مدرسة بالمنامة في عام 1931م واستمرت حتى عام 1933م. وتمكنت مدرسته من تقديم أول مسرحية تشهدها المدارس الأهلية الخاصة وهي مسرحية (وا معتصماه) في عام 1932م وهي مسرحية شعرية من نظمه. كما قدمت مدرسته رواية إنجليزية (وليم تل) أحد أبطال سويسرا كتبها العريض بنفسه. وكانت آخر مسرحية قدمها طلاب مدرسة العريض في عام 1933م مسرحية (بين الدولتين) التي حضرها صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين حينذاك. تتمثل المدرسة الأهلية الثانية في مدرسة عبدالرحمن المعاودة الشاعر البحريني المعروف. فقد ساهمت مدرسته بتقديم العديد من المسرحيات بدأتها بمسرحية (سيف الدولة بن حمدان) سنة 1931م، و(عبدالرحمن الداخل) سنة 1936م، و(الرشيد وشارلمان) سنة 1938م، و (المعتصم بالله) سنة 1940م، إضافة إلى مسرحيات: (العلاء الحضرمي ودخول البحرين الإسلام) و (أبوعبد الله الصغير أو خروج العرب من الأندلس)، و(سقوط بغداد أو هولاكوخان)، الأمر الذي يؤكد بجلاء ازدهار المسرح المدرسي في أربعينيات القرن العشرين. وإذا كانت المسرحيات التي قدمتها المدارس الحكومية مسرحيات نثرية مرتبطة بالأحداث التاريخية، فإن المدارس الأهلية اهتمت بتقديم مسرحيات شعرية كتبها الأستاذ إبراهيم العريض والشاعر عبدالرحمن المعاودة مقتفين بذلك مسرحيات أحمد شوقي التي ازدهرت في تلك الفترة. ثالثًا: مسارح الأندية في أربعينات القرن العشرين تميز عقد أربعينات القرن العشرين ببزوغ فجر مسارح الأندية في البحرين، حيث بدأت المدارس تفقد نشاطها المسرحي أمام نشاط الأندية المتقد آنذاك. فقد ضعفت الحركة المسرحية في المدارس بعد عام 1942م وبهت لهيبها وانتقل النشاط المسرحي إلى الأندية.  بدأت مسارح الأندية تنافس مسارح المدارس بشكل واضح اعتبارًا من عام 1940م وهو العام الذي شهد نشاطًا كبيرًا للمسرح المدرسي. كما شهد العام نفسه قيام نادي البحرين بالمحرق بتقديم مسرحية (مجنون ليلى) لأحمد شوقي، وقدم النادي مسرحيته الثانية (أهل الكهف) لتوفيق الحكيم في عام 1943م. تمكن نادي الثقافة الرياضي من تقديم مسرحية (لولا المحامي) في عام 1943م تأليف سعيد تقي الدين وإخراج محمود المردي. وقدم النادي الأهلي مسرحية (دموع) في عام 1944م ومسرحية (عبدالرحمن الناصر) التي أعدها وأخرجها محمود المردي في عام 1947م، ومسرحية (نخب العدو) سنة 1948م. وتمكن نادي العروبة من تقديم مسرحية (الحجاج بن يوسف الثقافي) في عام 1943م، وهي من إعداد وإخراج الأستاذ إبراهيم العريض. من بين الأندية التي كان لها نشاط مسرحي في عقد الأربعينات من القرن العشرين (نادي الإصلاح) الذي تميز بتقديم مسرحيات تاريخية مثل مسرحية (ولادة وابن زيدون) عام 1948م للشاعر المصري علي عبدالعظيم، ومسرحية (العباسة أخت الرشيد) عام 1949م للشاعر عزيز أباظة. على الرغم من تقديم الأندية العديد من المسرحيات في أربعينات القرن العشرين، إلا أن الجمهور زاد حضوره تلك المسرحيات بكثافة. وقد وثقت (جريدة البحرين) في عددها 119 الصادر في 12 يونيه 1941م ازدحام الجمهور لمشاهدة مسرحية (مجنون ليلى) لأحمد شوقي التي قدمها نادي البحرين سنة 1941م، حيث كتب مندوب جريدة البحرين النص التالي: “كنت أظن أنني سأصل إلى مقعدي قبل الموعد المضروب بمدة كافية، وأني سأجد القاعة فارغة إلا من بعض المتفرجين الذين سبقوني. ولكن كم كانت دهشتي عظيمة عندما وجدت الزحام الشديد عند باب المسرح، وأن المتفرجين كانوا يتدافعون والكل منهم يحاول الوصول إلى القاعة قبل غيره ليحتل مكانًا أماميا فيها”.أدى افتتاح المزيد من دور السينما في البحرين في عقد الأربعينات وبداية عقد الخمسينات من القرن العشرين إلى منافسة المسارح التي لم تستطع الصمود أمام عروض دور السينما في البحرين، الأمر الذي أدى إلى ضعف الحركة المسرحية بشكل واضح وجلي، مع تنامي ازدهار الإقبال على عروض دور السينما بشكل لافت جدا.