سوالف

“حتى لا ننسى تلك الأيام”.. شهادة إنسانية بلغة الفن

| أسامة الماجد

إذا‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نُعايش‭ ‬المبدع‭ ‬لحظات‭ ‬إبداعه‭ ‬وهنيهات‭ ‬الخلق‭ ‬عنده،‭ ‬فلن‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬تَقَمُّص‭ ‬لحظةٍ‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬هنيهةٍ‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬العطاء‭ ‬التي‭ ‬تتوهج‭ ‬حرارةً‭ ‬إلى‭ ‬درجةٍ‭ ‬يعجز‭ ‬الوعي‭ ‬عن‭ ‬الإحاطة‭ ‬بها،‭ ‬لا‭ ‬لكونها‭ ‬خارج‭ ‬الزمان،‭ ‬بل‭ ‬لكونها‭ ‬تخرج‭ ‬عنه،‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬البرهة،‭ ‬الدفق‭ ‬الوجيز‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الزمان‭ ‬المديد‭.‬

من‭ ‬أين‭ ‬تأتي‭ ‬الشجاعة‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬الأفكار؟‭ ‬وبأي‭ ‬مقياس‭ ‬تُقاس‭ ‬الإيجابية‭ ‬في‭ ‬الطرح؟‭ ‬وهل‭ ‬ثمة‭ ‬حدود‭ ‬لإحساس‭ ‬المبدع‭ ‬وكشوفاته؟

استلمتُ‭ ‬كتاب‭ ‬“حتى‭ ‬لا‭ ‬ننسى‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬تحت‭ ‬حصار‭ ‬كورونا”‭ ‬للأستاذ‭ ‬عبدالنبي‭ ‬الشعلة،‭ ‬وكعادتي‭ ‬في‭ ‬تقديس‭ ‬الكتاب‭ ‬وإعطائه‭ ‬أهميةً‭ ‬وأولويةً‭ ‬في‭ ‬برنامجي‭ ‬اليومي،‭ ‬اطّلعت‭ ‬على‭ ‬مواضيعه‭ ‬بشكلٍ‭ ‬مكثّف،‭ ‬وقرأت‭ ‬ما‭ ‬تيسّر‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬ساعتين‭. ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬لوحةٌ‭ ‬فنية،‭ ‬وصورٌ‭ ‬تاريخية،‭ ‬وذكرياتٌ‭ ‬مركّزة‭ ‬بأسلوبٍ‭ ‬وجداني‭ ‬جميل،‭ ‬ينمّ‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬الكاتب‭ ‬السامية‭ ‬وميله‭ ‬الفطري‭ ‬إلى‭ ‬الأدب‭.‬

الكتاب‭ ‬ترجمةٌ‭ ‬لما‭ ‬شهده‭ ‬الكاتب‭ ‬من‭ ‬أحداثٍ‭ ‬في‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا؛‭ ‬تحدّث‭ ‬عن‭ ‬المرض‭ ‬والمرضى،‭ ‬عن‭ ‬الداء‭ ‬والشفاء،‭ ‬وعن‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬جهودٍ‭ ‬طبية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الجائحة‭ ‬أذهلت‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬قاطبةً،‭ ‬وعن‭ ‬أزمة‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة‭ ‬وسوق‭ ‬العمل،‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬العناوين‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬مواضيعَ‭ ‬دوّنها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬بقواعد‭ ‬القيم‭ ‬الفنية‭ ‬والقدرات‭ ‬التذوقية‭ ‬والأسس‭ ‬الجمالية‭. ‬وما‭ ‬شدّني‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬اللغةُ‭ ‬الجميلة‭ ‬السهلة،‭ ‬فالسهولة‭ ‬والوضوح‭ ‬من‭ ‬الدلالات‭ ‬العميقة‭ ‬الحيّة‭ ‬على‭ ‬وعي‭ ‬الكاتب‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬التوصيل،‭ ‬فهو‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يختار‭ ‬أيَّ‭ ‬شكلٍ‭ ‬مناسب،‭ ‬لكنه‭ ‬يريد‭ ‬المضمون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مؤثرًا‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬واقعٍ‭ ‬أكبر،‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬خطوطٍ‭ ‬بيانيةٍ‭ ‬يرسمها‭ ‬في‭ ‬مخيلته،‭ ‬بل‭ ‬يريد‭ ‬لمقاله‭ ‬أن‭ ‬يتفجر‭ ‬دائمًا،‭ ‬وأن‭ ‬يبعث‭ ‬في‭ ‬القارئ‭ ‬حبَّ‭ ‬الاكتشاف‭.

فمثلًا‭ ‬كتب‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬“لقاح‭ ‬كورونا‭ ‬ونظرية‭ ‬المؤامرة”‭ ‬صفحة157‭:‬

أما‭ ‬“نظرية‭ ‬المؤامرة”،‭ ‬أو‭ ‬عقدة‭ ‬المؤامرة،‭ ‬فهي‭ ‬نتاج‭ ‬فكرٍ‭ ‬أسطوريٍّ‭ ‬يرى‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬ظاهرةٍ‭ ‬أو‭ ‬فعلٍ‭ ‬إنسانيٍّ‭ ‬يؤثر‭ ‬عليه‭ ‬سلبًا‭ ‬فاعلًا‭ ‬أو‭ ‬متآمرًا‭ ‬خبيثًا‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬ونظرية‭ ‬المؤامرة‭ ‬هي‭ ‬أيضًا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬والإيمان‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬جهةً‭ ‬بشريةً‭ ‬مركزيةً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المعمورة‭ ‬كافة،‭ ‬وتسيطر‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وهي‭ ‬وراء‭ ‬نشوب‭ ‬الحروب‭ ‬وحدوث‭ ‬الهزائم‭ ‬أو‭ ‬الانتصارات،‭ ‬وقيام‭ ‬الثورات‭ ‬والإطاحة‭ ‬بالأنظمة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لأحدٍ‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬سيطرتها”‭.‬

هنا‭ ‬حوّل‭ ‬الأستاذ‭ ‬الشعلة‭ ‬صورة‭ ‬المؤامرة‭ ‬إلى‭ ‬صورةٍ‭ ‬حسيةٍ‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬البشر‭ ‬بقيمٍ‭ ‬مختلفة،‭ ‬وعلى‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬الاختيار‭. ‬وكثيرٌ‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬وفي‭ ‬البحرين‭ ‬أيضًا،‭ ‬اقتنع‭ ‬بشروط‭ ‬المؤامرة‭ ‬التكاملية‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬تكوين‭ ‬تلك‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬وجدها‭ ‬في‭ ‬مخيلته

وكتب‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬“دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الواقع”‭ ‬صفحة‭ ‬146‭:‬

“إن‭ ‬كلَّ‭ ‬ذلك‭ ‬يفرض‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أكثر‭ ‬تهيؤًا‭ ‬للتحولات‭ ‬التي‭ ‬ستشهدها‭ ‬أوضاعنا‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وأن‭ ‬نكون‭ ‬أكثر‭ ‬استعدادًا‭ ‬لمواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المقبلة‭ ‬بكل‭ ‬واقعيةٍ‭ ‬وبراغماتية،‭ ‬ولكن‭ ‬بروحٍ‭ ‬إيجابيةٍ‭ ‬وثقةٍ‭ ‬وتفاؤل،‭ ‬وذلك‭ ‬لتجنب‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يُحبط‭ ‬من‭ ‬هممنا‭ ‬ويُثبط‭ ‬عزائمنا”‭.‬

لقد‭ ‬صوّر‭ ‬لنا‭ ‬هنا‭ ‬قرب‭ ‬النهائية‭ ‬التأملية‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬ذلك‭ ‬الحدس‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يشعر‭ ‬به؛‭ ‬حدس‭ ‬التحولات‭. ‬هل‭ ‬نقف‭ ‬منها‭ ‬موقفًا‭ ‬استنكاريًا‭ ‬سلبيًا‭ ‬ونسير‭ ‬معها‭ ‬على‭ ‬الدرب،‭ ‬أم‭ ‬نتحلّى‭ ‬بالروح‭ ‬الإيجابية‭ ‬تجاه‭ ‬ذاتنا‭ ‬ومجتمعنا؟‭.‬

وهكذا‭ ‬تتفتح‭ ‬للقارئ،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬موضوعٍ‭ ‬من‭ ‬مواضيع‭ ‬الكتاب،‭ ‬آفاقٌ‭ ‬واسعةٌ‭ ‬عريضة‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬والذكريات،‭ ‬تتبدى‭ ‬في‭ ‬جزئياتٍ‭ ‬زاهيةٍ‭ ‬ملوّنة،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تبدو‭ ‬لي‭ ‬دائمًا‭ ‬أني‭ ‬أمام‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرةٍ‭ ‬جديدة‭ ‬جديرةٍ‭ ‬كلها‭ ‬بأن‭ ‬يُوقَف‭ ‬عندها‭ ‬القارئ،‭ ‬وأن‭ ‬يتحدث‭ ‬عنها،‭ ‬لأنها‭ ‬ذكرياتٌ‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالحياة‭ ‬والإنسان،‭ ‬وبكارثةٍ‭ ‬ضخمةٍ‭ ‬وحياةٍ‭ ‬مضطربةٍ‭ ‬مرّت‭ ‬على‭ ‬البشرية‭.‬

 

‭* ‬كاتب‭ ‬بحريني