مُلتقطــات

إكسيرُ الندامة!

| د. جاسم المحاري

اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬السيئة‭ ‬التي‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭ ‬المنتقصة‭ ‬وسوء‭ ‬التقدير،‭ ‬وكذا‭ ‬ارتكاب‭ ‬الأفعال‭ ‬التي‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬القيم‭ ‬والمبادئ‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬الفشل‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬واقتناء‭ ‬المطامح،‭ ‬عوضًا‭ ‬عن‭ ‬العلاقات‭ ‬المفقودة‭ ‬التي‭ ‬تفقد‭ ‬فرص‭ ‬إصلاحها‭ ‬توافقًا‭ ‬مع‭ ‬التصرفات‭ ‬غير‭ ‬المحسوبة‭ ‬في‭ ‬آلية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تفتقد‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬العواقب‭ ‬المحتملة‭ ‬وسط‭ ‬شعور‭ ‬إنساني‭ ‬يسوده‭ ‬الخطأ‭ ‬الفاضح‭ ‬والفشل‭ ‬الذريع‭ ‬في‭ ‬آلية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬الصائبة‭. ‬تلكم‭ ‬تتوالى‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬البشرية‭ ‬ذات‭ ‬التأثير‭ ‬المؤلم‭ ‬للنفس‭ ‬والعواطف‭ ‬التي‭ ‬تُستشعر‭ ‬بالحزن‭ ‬والقلق‭ ‬والاكتئاب،‭ ‬وتُتضح‭ ‬بأعراض‭ ‬الأرق‭ ‬وفقدان‭ ‬الشهية‭ ‬والإرهاق،‭ ‬وتتظاهر‭ ‬بتداعيات‭ ‬الذنب‭ ‬والخجل‭ ‬في‭ ‬أبعاد‭ ‬اجتماعية‭ ‬تُعيق‭ ‬فرص‭ ‬النمو‭ ‬الشخصي‭ ‬والمهني،‭ ‬بما‭ ‬توفره‭ ‬من‭ ‬حوافز‭ ‬متاحة‭ ‬وما‭ ‬تعرضه‭ ‬بإنتاجية‭ ‬متأملة‭.‬

حالة‭ ‬الندم‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المشاعر‭ ‬الإنسانية‭ ‬وأعقدها،‭ ‬والتي‭ ‬تترك‭ ‬بأثرها‭ ‬العميق‭ ‬على‭ ‬النفس‭ ‬والسلوك‭ ‬حين‭ ‬تتولد‭ ‬عند‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات؛‭ ‬إدراكًا‭ ‬وافيًا‭ ‬لقراراتهم‭ ‬المتخذة‭ ‬وأفعالهم‭ ‬النافذة،‭ ‬عوضًا‭ ‬عن‭ ‬إضاعة‭ ‬الفرص‭ ‬التي‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬وضع‭ ‬خياراتهم،‭ ‬ما‭ ‬يستوجب‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬باعتراف‭ ‬دون‭ ‬إنكار‭ ‬أو‭ ‬تجنيب‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬الأخطاء‭ ‬أو‭ ‬تخفيف‭ ‬الشعور‭ ‬بالذنب‭ ‬أو‭ ‬تحسين‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬الدعم‭ ‬العاطفي‭ ‬والمشاعر‭ ‬الفياضة‭ ‬مع‭ ‬الأقربين‭ ‬والأصدقاء،‭ ‬في‭ ‬تركيز‭ ‬على‭ ‬الحاضر‭ ‬واستشراف‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭ ‬وتهدئة‭ ‬للعقول‭ ‬وتخفيف‭ ‬بالتفكير‭ ‬وتحسين‭ ‬للوعي‭ ‬باعتباره‭ ‬جزءا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬المُثقلة‭ ‬بالعواطف‭ (‬المُؤلمة‭) ‬والأخطاء‭ (‬الدامغة‭) ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬إحداث‭ ‬تطوير‭ ‬أو‭ ‬إبراز‭ ‬ارتقاء‭. 

 

نافلة‭: ‬

تكاد‭ ‬تكون‭ ‬حادثة‭ ‬الدجاجة‭ ‬مع‭ ‬الأفعى،‭ ‬مثالًا‭ ‬حاضرًا‭ ‬على‭ ‬تداعيات‭ ‬الندم‭ ‬وآثاره‭ ‬المُهلكة‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ ‬والجماعة‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬طَرَدَتْ‭ - ‬ازدراءً‭ - ‬باقي‭ ‬الدجاجات‭ ‬تلك‭ ‬الدجاجة‭ ‬المُسالمة‭ ‬التي‭ ‬احترق‭ ‬السمّ‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬جسدها‭ ‬الضعيف‭ ‬إِثرَ‭ ‬لَدْغة‭ ‬أفعى‭ ‬باغية‭ ‬تركتها‭ ‬تعرج‭ ‬بعيدًا،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حّمى‭ ‬مُؤلمة‭ ‬مُغادرة‭ ‬تجرّ‭ ‬إحدى‭ ‬ساقيها،‭ ‬وهي‭ ‬تسمعهم‭ ‬يتهامسون‭ ‬لبعضهم‭: ‬“دعوها‭ ‬تذهبْ،‭ ‬ستموت‭ ‬بعيدًا‭ ‬عنّا”‭ ‬حتى‭ ‬اختفت‭ ‬في‭ ‬الأفق،‭ ‬وتأكدوا‭ ‬جميعًا‭ ‬من‭ ‬وفاتها،‭ ‬بل‭ ‬إنّ‭ ‬بعضهم‭ ‬نظر‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬أملاً‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬النسور‭ ‬الآكلة‭ ‬للجيف‭. ‬وفجأة‭ ‬جاء‭ ‬الطائر‭ ‬الطنان،‭ ‬يقول‭: ‬“أختكم‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬ولكنّها‭ ‬فقدت‭ ‬إحدى‭ ‬ساقيها،‭ ‬وتعيش‭ ‬في‭ ‬كهف‭ ‬بعيد”‭ ‬غير‭ ‬أنّهم‭ ‬رفضوا‭ ‬مساعدتها‭. ‬ثم‭ ‬عاودهم‭ ‬ثانية‭ ‬بعد‭ ‬زمن‭ ‬بأخبار‭ ‬مؤلمة،‭ ‬يقول‭: ‬“أختكم‭ ‬ماتت‭ ‬وحيدة‭ ‬في‭ ‬الكهف‭ ‬دون‭ ‬أنْ‭ ‬تُدفن‭ ‬أو‭ ‬يحزن‭ ‬عليها‭ ‬أحد”،‭ ‬فحلّتْ‭ ‬عليهم‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الحزن‭ ‬العميق،‭ ‬وانطلقوا‭ ‬جميعاً‭ ‬نحو‭ ‬الكهف،‭ ‬وعندما‭ ‬وصلوا؛‭ ‬وجدوا‭ ‬رسالة‭ ‬تقول‭: ‬“في‭ ‬الحياة،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يبذل‭ ‬الناس‭ ‬جهدًا‭ ‬لمساعدتك‭ ‬وأنت‭ ‬حيّ،‭ ‬لكنّهم‭ ‬قد‭ ‬يقطعون‭ ‬المسافات‭ ‬الشاسعة‭ ‬بعد‭ ‬وفاتك”‭. ‬وذاك‭ ‬هو‭ (‬أَمر‭) ‬إكسير‭ ‬الندم‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬الشراب‭ ‬الخالد‭ ‬–‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬مناص‭ ‬للجاحد‭ ‬منه‭ ‬نصيبا‭.‬

‭ ‬

*كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني