روح القانون

من المسؤول عن موت حسن؟

| زهير توفيقي

لم‭ ‬يكن‭ ‬صباح‭ ‬الطفل‭ ‬حسن‭ ‬المحاري‭ ‬مختلفًا‭ ‬عن‭ ‬الصباحات‭ ‬الأخرى،‭ ‬حين‭ ‬استقل‭ ‬الحافلة‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تقله‭ ‬يوميًا‭ ‬إلى‭ ‬الروضة،‭ ‬بابتسامة‭ ‬غافية‭ ‬على‭ ‬وجهٍ‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬بعدُ‭ ‬قسوة‭ ‬العالم،‭ ‬لكن‭ ‬الحافلة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬تعيده‭ ‬إلى‭ ‬أحضان‭ ‬والديه،‭ ‬عادت‭ ‬خالية‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬صمته‭ ‬الأبدي‭. ‬مأساة‭ ‬موت‭ ‬حسن‭ ‬داخل‭ ‬مركبة‭ ‬مغلقة‭ ‬في‭ ‬حرّ‭ ‬النهار‭ ‬ليست‭ ‬حادثًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬جرس‭ ‬إنذار‭ ‬مدوٍّ‭ ‬يعكس‭ ‬خللًا‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬كاملة،‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الإهمال‭ ‬وتنتهي‭ ‬بانعدام‭ ‬الرقابة‭. ‬كان‭ ‬من‭ ‬واجب‭ ‬إدارة‭ ‬الروضة‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬من‭ ‬وصول‭ ‬جميع‭ ‬الأطفال‭ ‬صباحًا‭ ‬ومغادرتهم‭ ‬ظهراً‭. ‬فهل‭ ‬راجعت‭ ‬قوائم‭ ‬الحضور؟‭ ‬وهل‭ ‬تساءلت‭ ‬المعلمة‭ ‬عن‭ ‬غياب‭ ‬أحد‭ ‬تلاميذها‭ ‬الصغار؟‭ ‬لو‭ ‬وُجدت‭ ‬منظومة‭ ‬بسيطة‭ ‬لتتبع‭ ‬الحضور‭ ‬والانصراف،‭ ‬لربما‭ ‬تم‭ ‬اكتشاف‭ ‬غيابه‭ ‬في‭ ‬ساعاته‭ ‬الأولى،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يخنقه‭ ‬الهواء‭ ‬الساخن‭ ‬داخل‭ ‬المركبة‭.‬

البيان‭ ‬الرسمي‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المركبة‭ ‬التي‭ ‬نقلته‭ ‬غير‭ ‬مخصّصة‭ ‬لنقل‭ ‬الطلبة،‭ ‬وهذه‭ ‬وحدها‭ ‬جريمة‭ ‬مكتملة‭ ‬الأركان‭. ‬فكيف‭ ‬سُمح‭ ‬باستخدام‭ ‬مركبة‭ ‬غير‭ ‬مرخّصة‭ ‬لنقل‭ ‬أطفال؟‭ ‬وأين‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬تراقب‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬وتمنعها؟‭ ‬إن‭ ‬السماح‭ ‬أو‭ ‬التغاضي‭ ‬عن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬استهتار‭ ‬بأرواح‭ ‬الأبرياء،‭ ‬لا‭ ‬يقلّ‭ ‬خطورة‭ ‬عن‭ ‬الفعل‭ ‬نفسه‭.‬

أما‭ ‬السائقة،‭ ‬فهي‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬رآه‭ ‬حيًّا‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬ناقلة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬مؤتمنة‭ ‬على‭ ‬أرواح‭ ‬صغيرة‭. ‬وكان‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تتأكد‭ ‬من‭ ‬خلوّ‭ ‬الحافلة‭ ‬قبل‭ ‬مغادرتها،‭ ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬المدارس‭ ‬النظامية‭. ‬فالتفقد‭ ‬البصري‭ ‬السريع‭ ‬بعد‭ ‬إنزال‭ ‬الأطفال‭ ‬إجراء‭ ‬بسيط،‭ ‬لكنه‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭. ‬والإهمال‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬خطأً‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬سلوك‭ ‬قاتل‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إعفاء‭ ‬الأسرة‭ ‬من‭ ‬قدر‭ ‬يسير‭ ‬من‭ ‬المسؤولية؛‭ ‬فالثقة‭ ‬مطلوبة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تُغني‭ ‬عن‭ ‬التثبّت‭. ‬على‭ ‬كل‭ ‬والد‭ ‬ووالدة‭ ‬أن‭ ‬يتحققا‭ ‬من‭ ‬وسيلة‭ ‬النقل‭ ‬قبل‭ ‬تسليم‭ ‬أطفالهما،‭ ‬وأن‭ ‬يتأكدا‭ ‬من‭ ‬ترخيصها‭ ‬وسلامتها‭ ‬والسائق‭ ‬الذي‭ ‬يقودها،‭ ‬فسلامة‭ ‬الأبناء‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬المجازفة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬النوايا‭ ‬طيبة‭.

ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬موجَّهًا‭ ‬إلى‭ ‬الإدارة‭ ‬العامة‭ ‬للمرور‭ ‬والجهات‭ ‬الرقابية‭: ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تُراقَب‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬الخاصة‭ ‬بالأطفال،‭ ‬فمتى‭ ‬تُراقَب؟‭ ‬المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬بيانات‭ ‬تعاطف،‭ ‬بل‭ ‬إجراءات‭ ‬ملموسة‭ ‬وتشريعات‭ ‬صارمة‭ ‬تضمن‭ ‬ألا‭ ‬تتكرر‭ ‬هذه‭ ‬الفاجعة‭. ‬المطلوب‭ ‬هنا‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬صارم‭ ‬تجاه‭ ‬مالك‭ ‬الحافلة‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يلتزم‭ ‬بالقانون،‭ ‬وكذلك‭ ‬السائقة‭ ‬التي‭ ‬تتحمل‭ ‬جزءا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬وبسبب‭ ‬أيضاً‭ ‬علمها‭ ‬بأن‭ ‬الحافلة‭ ‬غير‭ ‬مرخصة‭.‬

ما‭ ‬حدث‭ ‬لحسن‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬يُطوى‭ ‬كخبر‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬كدرس‭ ‬يوقظ‭ ‬ضمير‭ ‬المجتمع‭ ‬بأسره‭. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬فعلي‭ ‬يمنع‭ ‬استخدام‭ ‬أية‭ ‬مركبة‭ ‬غير‭ ‬مرخّصة‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الطلبة،‭ ‬ويُلزم‭ ‬المدارس‭ ‬بنظام‭ ‬إلكتروني‭ ‬للحضور‭ ‬والانصراف،‭ ‬ويفرض‭ ‬تدريبًا‭ ‬للسائقين‭ ‬والمشرفين‭ ‬على‭ ‬إجراءات‭ ‬السلامة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تركيب‭ ‬أجهزة‭ ‬استشعار‭ ‬في‭ ‬الحافلات‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬أي‭ ‬طفل‭ ‬بعد‭ ‬إغلاقها‭. ‬فكل‭ ‬إجراء‭ ‬يُتَّخذ‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬ينقذ‭ ‬روحًا‭ ‬غدًا‭.‬

الخلاصة‭... ‬حسن‭ ‬لم‭ ‬يمت‭ ‬وحيدًا،‭ ‬بل‭ ‬مات‭ ‬معه‭ ‬يقيننا‭ ‬بأن‭ ‬أبناءنا‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬آمنة‭. ‬رحل‭ ‬الصغير،‭ ‬لكن‭ ‬رحيله‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬يُسكب‭ ‬من‭ ‬دموع‭ ‬على‭ ‬عتبة‭ ‬الإهمال‭. ‬فلنجعل‭ ‬من‭ ‬قضيته‭ ‬نقطة‭ ‬تحوّل‭ ‬نحو‭ ‬مجتمعٍ‭ ‬يحترم‭ ‬القانون،‭ ‬لأنه‭ ‬يحمي‭ ‬الحياة‭.‬

لا‭ ‬نريد‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬آنية‭ ‬أو‭ ‬وقتية‭ ‬كردة‭ ‬فعل‭ ‬للمشكلة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬قوانين‭ ‬وتشريعات‭ ‬جديدة‭ ‬وصارمة‭.‬

قال‭ ‬تعالى‭ ‬“الذين‭ ‬إذا‭ ‬أصابتهم‭ ‬مصيبة‭ ‬قالوا‭ ‬إنا‭ ‬لله‭ ‬وإنا‭ ‬إليه‭ ‬راجعون‭ ‬أولئك‭ ‬عليهم‭ ‬صلوات‭ ‬من‭ ‬ربهم‭ ‬ورحمة‭ ‬وأولئك‭ ‬هم‭ ‬المهتدون”‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني