كيف تحاكي السعودية المخيلة الروسية لاكتشاف سحر غموض الشرق

| د.محمد الزكري

تمتلك المملكة العربية السعودية رؤية ثاقبة استطاعت من خلالها استكشاف الفرص الكامنة خلف الأزمات، وهو المفهوم الذي جسدته مقولة ألبرت أينشتاين: “في خضم كل أزمة، تكمن فرصة عظيمة”. وفي ظل تراجع العديد من الدول في استقبال السياح الروس، نجحت السعودية في اتخاذ خطوة ترويجية استراتيجية موجهة خصيصًا لهم، مما أطلق روح المغامرة والفضول لدى الروس، ودفعهم لاستكشاف أن السعودية أصبحت وجهة سياحية واعدة. ركزت الحملات الترويجية السعودية بشكل رئيس على إبراز التراث التاريخي الغني والمليء بالغموض والإثارة، بالإضافة إلى إبراز بنيتها التحتية الحديثة، وقيم الكرم والضيافة الأصيلة التي تضمن للزائرين الروس تجربة لا تُنسى، تجمع بين الأصالة والحداثة، وتدعوهم لاكتشاف أسرار مملكة تتسم بالعراقة والجمال.

وفقاً لمحمد حميد الدين، مدير الهيئة السعودية للسياحة، شهد عام 2023 زيادة ملحوظة في أعداد السياح الروس إلى المملكة، حيث تجاوز عدد الرحلات الـ100,000 رحلة، مقارنةً بـ55,000 رحلة في عام 2022. ويُعزى هذا النمو إلى الجهود المتواصلة لتسهيل إجراءات الحصول على الفيزا، إلى جانب تزايد الاهتمام بالسياحة الدينية والترفيهية. كما ان لإحصائيات منظمة السياحة العالمية (UNWTO) اثبات لتحولات كبيرة، حيث أظهرت أن السعودية احتلت المركز الأول بين أسرع الوجهات نمواً ضمن دول مجموعة العشرين في عام 2023، محققةً نموًا قبل الجدول الزمني المحدد بـ7 سنوات.

دوافع السياح الروس للسفر إلى السعودية

كل الدراسات تؤكد أن دوافع السياح الروس متنوعة، حيث يسعى الكثير منهم إلى الترفيه، والتعرف على الثقافة، وأداء الشعائر الدينية. وتذكر شركات السياحة الروسية مثل تيز تور أن هناك زيادة “ملحوظة” في مبيعات الرحلات إلى السعودية، خاصة إلى مدن مثل الرياض وجدة، التي تشهد طلبا متزايدا. في هذا الخصوص توضح  Daria Domostroeva داريا دومستروفا من شركة إنترنشن  (tour operator Intourist) أن السياح الروس يركزون على التجارب الثقافية والمعالم السياحية، مع عظيم رغبتهم في استكشاف التقاليد المحلية والاستمتاع بالمشاهد الطبيعية. بالإضافة إلى ذلك، فإن سهولة الحصول على تأشيرة إلكترونية، التي تكلف 140 دولارًا ويتم إصدارها في غضون يوم واحد عبر Union Pay أو من خلال شركة سياحة بالروبل الروسي، قد عزز بشكل كبير جاذبية الوجهة. من الجدير بالذكر أن سكان المناطق الإسلامية في روسيا، مثل تاتارستان ونتائج الشيشان، يذهبون عادة إلى السعودية لأداء الحج، الأمر الذي يعزز الروابط الثقافية التي تستمر في تحفيز الرحلات.

حملات الترويج الاستراتيجية

تماشياً مع إمكانية السوق الروسية، تعاونت الهيئة السعودية للسياحة مع Yandex Travel ياندكس ترافل—رائد السفر الإلكتروني الروسي— للترويج للسياحة في السعودية. وأُطلقت حملة مركزها على خريطة تفاعلية على ياندكس ترافل، تبرز التنوع في معالم المملكة، بما يشمل الأماكن الثقافية، الطبيعة، والتسوق. وقد حققت هذه الحملة نجاحاً كبيراً، حيث بلغت عدد المشاهدات أكثر من 25 مليون مشاهدة، وأُجريت أكثر من 19 ألف استعلام للحصول على مزيد من المعلومات. وأسفرت الحملة عن 54,700 نقرة، وزيادة بنسبة 51.85 % في الاهتمام بالبحث، مما يدل على وجود اهتمام قوي بالسياحة السعودية في السوق الروسية.

وفقًا لما أشارت إليه شركة Space Travel، فإن فهم ذهنية السفر الروسية يعد من الأمور الحيوية التي تتطلبها استراتيجيات التسويق السياحي. من المهم أن تدرك الجهات السعودية أن لدى الروس نمطاً سفرًا مبرمجًا بشكل كبير على أساس الموسمية، حيث يفضل العديد منهم تحديد مواعيد السفر وفقًا للمواسم الدينية أو فصول السنة، خاصة في فترات الأعياد والمناسبات الدينية. هذا النمط الموسمي يؤثر على تدفق السياح، ويجب أن تتكيف عليه السياسات والإعلانات التسويقية. علاوة على ذلك، فإن إدراك هذه الذهنية يساعد على استثمار فترات زمنية محددة بشكل أكثر فعالية، وتحديد أفضل الأوقات لإطلاق الحملات الترويجية، وتشجيع السياح على اختيار أوقات غير موسمية لزيارة المملكة، الأمر الذي من شأنه أن يساهم في زيادة أعداد الزوار وتحقيق توزيع سياحي أكثر توازنًا خلال العام.

كما تذكر الشركة Space Travel. أهمية زيادة الوعي لدى وكلاء السفر الروس حيث إنه أكدت أنه من الضروري زيادة التعريف بالسعودية بين وكلاء السفر في روسيا من خلال تنظيم جولات تعريفية وترويجية واسعة. ويجب أن تكون هذه الجولات جماعية وبتكاليف معقولة، كي يتمكن عدد أكبر من وكلاء السفر من التعرف على الوجهة وترويجها بين عملائهم، وليس فقط للمجموعات الأميركية أو الفاخرة ذات التكاليف الباهظة.

محاكاة المخيلة الروسية لكشف غموض الشرق في السعودية

“Russian Imagination: Unveiling the Mystery of the Orient in Saudi Arabia”

هناك حملة أخرى مهمة تنتظر التطوير حول غموض الشرق في المخيلة الروسية اتجاه السعودية.

  The Mystery of the Orient in Saudi Arabia  حيث تبرز المملكة العربية السعودية كوجهة فريدة تحكي قصتها الخاصة الغامضة، الغنية بالتاريخ العتيق، والمعالم الأثرية، والطقوس الثقافية التي لا تزال تنبض بالحياة. إن “سر الشرق” في السعودية ليس مجرد اسم، بل هو دعوة للمسافرين من روسيا والعالم لاستكشاف لوحة ممتدة من الأساطير، والأسرار المدفونة في أعماق الصحراء، والتاريخ المذهل الذي ينتظر من يغامر لاكتشافه.

عجائب أثرية وشواهد حضارية: السعودية تحتضن كنوزًا أثرية فريدة، وهي جسر يربط بين الماضي والحاضر. من مواقع مثل مدائن صالح (الحِجر)، التي تُعد أكبر موقع مسحور بالأسرار من نوعها في المنطقة، إلى آثار دلمون وافتتان الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، كلها تشترك في سرد قصة غامضة تُمثل كنزًا عتيقًا للباحثين عن المعرفة والأسرار القديمة.

عجائب لا تزال غامضة: الرحلة ليست فقط إلى مواقع قديمة، وإنما استكشاف أسرار لم يُكشف عنها بعد، من نقوش محفورة على الصخور، إلى معابد قد يكون سرها مدفونًا في الأدلة والأحفوريات، ليفتح الباب أمام رحلة استكشافية بحرية داخل الزمن.

رحلة عبر الزمن: يمكن للزائر أن يتبع خطى الملوك القدماء، ويستكشف الحضارات التي حكمت المنطقة، ويتفاعل مع التاريخ الذي ينعكس في معمار المدن القديمة، والآثار التي تشهد على عظمة حضارات متعاقبة، بانتقاله من حقب ما قبل الإسلام إلى عصور الوسيط والحديث.

الصحارى والجمال الطبيعي: أماكن مثل الصحراء الواسعة، مثل ربع الخالي، توفر للمسافرين مغامرة فريدة من نوعها، من خلال رحلات السفاري في الصحارى، والتخييم تحت النجوم، حيث يمكنهم أن يعيشوا أجواء من الغموض والتشويق في قلب طبيعة لا تزال تحتفظ بأسرارها.

استكشاف النظم البيئية: تشتهر المملكة بمواقع طبيعية فريدة، مثل وادي الريث وشواطئ البحر الأحمر، التي توفر تجربة الغوص والغطس بين الشعاب المرجانية الملونة، واكتشاف الكهوف والتحف الطبيعية التي تحمل أسرارًا عن الأزمان الماضية.

معالم حديثة وحديثة التاريخ: السعودية تمزج بين تراثها العتيق وتطورها الحضاري، حيث يمكن للزوّار استكشاف الأسواق القديمة، والتجول في أسواق جدة التاريخية، والتعرف على الفنون التقليدية، ومشاهدة التراث ينبض بالحياة من خلال فعاليات ثقافية ومهرجانات حديثة تمازج بين أصالة الماضي وروح العصر.

تجارب تفاعلية فريدة: بالإضافة إلى ذلك، هناك الكثير من التجارب الرقمية والتفاعلية التي تقدمها المملكة، من خلال جولات افتراضية، أو عروض وقصص تروى بصوت رواد التاريخ، لتجعل الزائر يعيش تجربة غامضة مليئة بالفضول والمعرفة، ويشعر وكأنه يكتشف أسرار مملكة عظيمة.

السعودية ليست فقط وجهة سياحية، إنما هي رحلة استكشافية في قلب الشرق، تفتح أبواب الغموض أمام من يبحث عن أسرار التاريخ، والجمال الطبيعي، والتقاليد العريقة. إنها السر الذي لا يزال يُخفيه الصحراء، والكنوز التي تنتظر من يجرؤ على فك طلاسمها. هيا، اكتشفوا سر الشرق في السعودية، وجهة تجمع بين عراقة التاريخ، وسحر الطبيعة، ومتعة الاكتشاف المستمر.

 

* اختصاصي تراث وسياحة