العربية في “آسيان”.. من المحراب إلى السوق

| عبدالله بوقس

منذ‭ ‬قرون،‭ ‬حملت‭ ‬الرياح‭ ‬التجارية‭ ‬أنفاس‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬أرخبيل‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ (‬آسيان‭)‬،‭ ‬فانطلقت‭ ‬كتيارات‭ ‬خفيّة‭ ‬تعبر‭ ‬البحار،‭ ‬حتى‭ ‬لامست‭ ‬سواحل‭ ‬سومطرة‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬ملاكا‭ ‬ونهر‭ ‬ميكونغ،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬جبال‭ ‬كينابالو،‭ ‬ناشرةً‭ ‬حضورًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬وروحيًا‭ ‬عميقًا‭ ‬امتزجت‭ ‬فيه‭ ‬اللغة‭ ‬بروح‭ ‬المكان،‭ ‬فغدت‭ ‬صوت‭ ‬المحراب‭ ‬ومنارة‭ ‬التعليم‭ ‬والدين‭. ‬ومع‭ ‬ازدهار‭ ‬الملاحة،‭ ‬لعب‭ ‬التجار‭ ‬والدعاة‭ ‬والعلماء‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬شبكات‭ ‬تعليمية‭ ‬ودينية‭ ‬ربطت‭ ‬الموانئ‭ ‬الآسيوية‭ ‬بالمراكز‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬الحجاز‭ ‬واليمن‭ ‬والهند،‭ ‬لترسّخ‭ ‬العربية‭ ‬جزءًا‭ ‬أصيلًا‭ ‬من‭ ‬هوية‭ ‬المنطقة‭ ‬الإسلامية‭.‬

ومع‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمعرفية‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تجاوزت‭ ‬العربية‭ ‬فضاءها‭ ‬التقليدي‭ ‬لتدخل‭ ‬عوالم‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬التحوّل‭ ‬العميق‭ ‬الذي‭ ‬تشهده‭ ‬دول‭ ‬“آسيان”‭. ‬وقد‭ ‬دفع‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مناهجها،‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬أنماط‭ ‬التلقين‭ ‬الديني‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬كفاءات‭ ‬لغوية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬سوق‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي‭.‬

وسط‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬أخيرا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬مشهد‭ ‬يعيد‭ ‬للعربية‭ ‬حضورها‭ ‬المعاصر‭. ‬كنت‭ ‬هناك،‭ ‬بين‭ ‬وجوه‭ ‬قدمت‭ ‬من‭ ‬“آسيان”‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬المؤتمر‭ ‬الدولي‭ ‬لتعليم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وآدابها‭ ‬بجامعة‭ ‬السلطان‭ ‬أزلن‭ ‬شاه‭ ‬بمدينة‭ ‬كوالا‭ ‬كانغسار‭ ‬الماليزية‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لقاءً‭ ‬أكاديميًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬فضاءً‭ ‬فكريًا‭ ‬حيًّا‭ ‬أبرز‭ ‬إدراكًا‭ ‬متناميًا‭ ‬لضرورة‭ ‬تجديد‭ ‬المناهج‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬مقاربات‭ ‬تعليمية‭ ‬حديثة‭.‬

أفرزت‭ ‬مداولات‭ ‬المؤتمر‭ ‬رؤى‭ ‬إصلاحية‭ ‬تمحورت‭ ‬حول‭ ‬إدماج‭ ‬أدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وتوسيع‭ ‬مجالات‭ ‬تعلم‭ ‬العربية،‭ ‬وتفعيل‭ ‬برامج‭ ‬الانغماس‭ ‬اللغوي،‭ ‬وربط‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭ ‬بالممارسة‭ ‬الواقعية‭. ‬وقد‭ ‬عكست‭ ‬هذه‭ ‬الرؤى‭ ‬وعيًا‭ ‬عمليًا‭ ‬بضرورة‭ ‬إنشاء‭ ‬بيئات‭ ‬تعليمية‭ ‬حيّة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تخريج‭ ‬أجيال‭ ‬توظّف‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬السوق؛‭ ‬فتتحوّل‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬والتراث‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬والمستقبل‭.‬

وتتجلّى‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الرؤى‭ ‬في‭ ‬السياحة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬عنصرًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬تيسير‭ ‬التواصل‭ ‬وفهم‭ ‬احتياجات‭ ‬الزوار‭. ‬ووفقًا‭ ‬لتقرير‭ ‬دولي‭ ‬حول‭ ‬السفر‭ ‬الإسلامي،‭ ‬سجّل‭ ‬المسلمون‭ ‬176‭ ‬مليون‭ ‬رحلة‭ ‬دولية‭ ‬في‭ ‬2024،‭ ‬بزيادة‭ ‬25‭ % ‬على‭ ‬العام‭ ‬السابق‭ ‬2023،‭ ‬متجاوزين‭ ‬مستويات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬جائحة‭ ‬“كورونا”‭. ‬ويبرز‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬فرصًا‭ ‬مهنية‭ ‬واعدة‭ ‬أمام‭ ‬خريجي‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الإرشاد‭ ‬السياحي،‭ ‬والترجمة،‭ ‬وصناعة‭ ‬المحتوى،‭ ‬والتسويق‭ ‬الموجّه‭ ‬للزوار‭ ‬العرب‭ ‬والخليجيين‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭.‬

واليوم،‭ ‬تمضي‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬“آسيان”‭ ‬نحو‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة،‭ ‬منطلقةً‭ ‬من‭ ‬إطار‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬التقليدي‭ ‬إلى‭ ‬ميادين‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والثقافة‭ ‬والدبلوماسية،‭ ‬مستعيدة‭ ‬قدرتها‭ ‬التاريخية‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الروح‭ ‬والحركة،‭ ‬بين‭ ‬صوت‭ ‬المحراب‭ ‬ونبض‭ ‬السوق‭. ‬وتمثل‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬فرصة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬لتعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬عبر‭ ‬دعم‭ ‬برامج‭ ‬تعليم‭ ‬العربية،‭ ‬وتأهيل‭ ‬الكوادر‭ ‬المحلية،‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬والمراكز‭ ‬اللغوية‭ ‬المشتركة،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬اللغة‭ ‬جسرًا‭ ‬للتقارب‭ ‬الحضاري‭ ‬وأداةً‭ ‬لبناء‭ ‬شراكات‭ ‬مستدامة‭.‬

 

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور