الاقتصاد البرتقالي يحوّل الفكرة إلى قيمة، والثقافة إلى صناعة!

| د. نجيب الغربال

تغرب الشمس كل يوم بلونها البرتقالي الدافئ، معلنة ختام النهار وبداية السكينة. هذا اللون الذي يرمز إلى الإبداع والطمأنينة أصبح اليوم عنواناً لمفهوم اقتصادي جديد يُتداول في الأوساط التنموية، وهو الاقتصاد البرتقالي الذي يجمع بين الثقافة والإبداع والفكر الاقتصادي الحديث. في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتقنية، يبرز الاقتصاد البرتقالي كأحد أهم محركات التنمية المستدامة في القرن الحادي والعشرين. إنه اقتصاد الإبداع الذي يحوّل الفكرة إلى قيمة، والمبدع إلى رأس مال، والثقافة إلى صناعة حقيقية تدر المليارات وتفتح آفاقاً رحبة أمام رواد الأعمال والمستثمرين، بما في ذلك في دول مجلس التعاون الخليجي والبحرين التي تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام يقوده الإنسان المبدع.

يعود أصل مصطلح الاقتصاد البرتقالي إلى البنك الدولي الذي تبنّاه رسمياً عام 2013 من خلال تقرير بعنوان “The Orange Economy: An Infinite Opportunity” من إعداد فيليب بويتريجر وإيفان دوكي (الذي أصبح لاحقاً رئيس كولومبيا). أطلقا عليه اسم “برتقالي” باعتباره لون الإبداع والطاقة الإيجابية والابتكار. ويركز هذا الاقتصاد على الأنشطة التي تقوم على الإبداع الفكري والثقافي، مثل الفنون، التصميم، الإعلام، السينما، الألعاب الإلكترونية، الحرف اليدوية، التراث الشعبي، والابتكار الرقمي. ويُعد هذا القطاع من أسرع القطاعات نمواً عالمياً، إذ يمثل أكثر من 3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ويساهم في توفير ملايين الوظائف، خصوصاً للشباب والنساء.

وفي الدول المتقدمة، يُدار الاقتصاد البرتقالي كمنظومة متكاملة تعتمد على ثلاثة محاور رئيسية: التشريعات الداعمة، والتمويل المستدام، والبنية التحتية التكنولوجية. ففي المملكة المتحدة مثلاً، تُظهر تقارير وزارة الثقافة والإعلام والرياضة البريطانية (DCMS- Department for Digital, Culture, Media & Sport) أن قطاع الصناعات الإبداعية يساهم بأكثر من 100 مليار جنيه إسترليني سنوياً في الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، مدعوماً بسياسات حكومية تشجع على حماية الملكية الفكرية وتوفير حاضنات للأعمال الإبداعية. أما في كوريا الجنوبية، فقد تحولت الثقافة الشعبية (K-Pop والدراما الكورية) إلى صناعة تصديرية تدعم الاقتصاد وتُسهم في تعزيز القوة الناعمة للبلاد، حيث يُعدّ الـ K-Pop مثالاً حيّاً على نجاح كوريا الجنوبية في تحويل الثقافة والفن إلى صناعة اقتصادية عالمية تُدر المليارات وتُعزّز مكانتها الدولية. هذا النموذج يُظهر كيف يمكن للإبداع أن يتحول إلى قوة اقتصادية حقيقية، وهو ما يعبّر عنه جوهر الاقتصاد البرتقالي الذي يدمج بين الثقافة والتنمية وريادة الأعمال. كما أن الاتحاد الأوروبي خصص برامج تمويل ضخمة مثل Creative Europe لتعزيز المشروعات الثقافية والفنية وريادة الأعمال الإبداعية، إدراكاً منه لأهمية الدمج بين الإبداع والتنمية المستدامة.

وفي العالم العربي، وخصوصاً في دول مجلس التعاون الخليجي، شهد العقد الأخير نهضة ثقافية رقمية غير مسبوقة جعلت الاقتصاد البرتقالي جزءاً من الرؤى الوطنية المستقبلية. ففي المملكة العربية السعودية، أطلقت وزارة الثقافة "الاستراتيجية الوطنية للثقافة" ضمن رؤية 2030 بهدف جعل الصناعات الإبداعية أحد روافد الناتج المحلي، مع مشاريع مثل موسم الرياض ومهرجان البحر الأحمر السينمائي اللذين عززا من مكانة المملكة كمركز إقليمي للإبداع. أما الإمارات العربية المتحدة، فقد دشّنت دبي مدينة الإبداع، وأنشأت وزارة للثقافة والشباب، وتعمل على تحويل الفنون والتصميم والألعاب الرقمية إلى قطاع اقتصادي مزدهر يندرج تحت شعار “الاقتصاد الإبداعي”. وفي سلطنة عُمان، أُطلقت مبادرة صُناع الإبداع لدعم المبدعين الشباب في مجالات التصميم والفنون، بينما استثمرت قطر في الفنون البصرية والمتاحف العالمية مثل متحف قطر الوطني ومتحف الفن الإسلامي لتصبح الثقافة رافداً اقتصادياً وسياحياً. أما الكويت، فرغم أنها تمتلك حراكاً ثقافياً وفنياً قوياً منذ عقود، فإنها لم تطلق حتى الآن استراتيجية وطنية محددة تحت مسمى “الاقتصاد البرتقالي” أو “الاقتصاد الإبداعي” بشكل رسمي مثل باقي أخواتها. لكنها بالتأكيد جزء من هذا التوجه الخليجي العام عبر عدد من المبادرات المتفرقة في مجالات السينما والمسرح والفنون والإعلام الرقمي، بما يعكس اهتماماً متزايداً بتحويل الإبداع إلى قيمة اقتصادية وثقافية مستدامة.

ويمتد تأثير الاقتصاد البرتقالي إلى صميم التنمية المستدامة التي تسعى الأمم المتحدة إلى تحقيقها عبر أهدافها السبعة عشر. فهو يساهم بوضوح في تحقيق الهدف الرابع (التعليم الجيد) من خلال تطوير المهارات الإبداعية والثقافية، والهدف الثامن (العمل اللائق والنمو الاقتصادي) عبر خلق وظائف جديدة قائمة على المعرفة والإبداع، والهدف التاسع (الصناعة والابتكار والبنية التحتية) من خلال تشجيع التقنيات الرقمية والحلول الثقافية المبتكرة، والهدف الحادي عشر (المدن والمجتمعات المستدامة) بدعمه الأنشطة الثقافية والفنية التي تحافظ على الهوية وتعزز التماسك الاجتماعي. كما يعزز الاقتصاد البرتقالي التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على التراث والهوية الوطنية، مما يجعله نموذجاً متكاملاً للتنمية المستدامة التي لا تقتصر على الاقتصاد فحسب، بل تشمل الإنسان والمجتمع والثقافة والبيئة معاً.

وتبرز هنا أهمية التعليم الفني والتقني في بناء الكفاءات الإبداعية القادرة على تحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة، مما يجعل مؤسسات التعليم العالي ومراكز التدريب أحد الأعمدة الأساسية لتغذية الاقتصاد البرتقالي بالمهارات البشرية المبتكرة.

ولأن الإبداع لا يزدهر دون بيئة تنظيمية عادلة، فإن الحوكمة الرشيدة تُعدّ ركيزة أساسية لاستدامة الاقتصاد البرتقالي. فالإبداع الاقتصادي بحاجة إلى أنظمة شفافة تضمن حماية الملكية الفكرية وتكافؤ الفرص وعدالة التوزيع في العوائد الاقتصادية. وتأتي الشفافية والمساءلة كعنصرين رئيسيين لنجاح هذا الاقتصاد، إذ تضمنان أن الموارد الثقافية لا تُستغل تجارياً فحسب، بل تُدار بما يخدم الصالح العام ويعزز الثقة في المؤسسات. وفي السياق الخليجي، تتجه العديد من الدول إلى تعزيز الحوكمة في مؤسساتها الثقافية والإبداعية، مثل وزارة الثقافة السعودية وهيئة الثقافة والفنون في دبي، عبر وضع أطر تنظيمية واضحة وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وإيجاد منصات رقمية تتيح البيانات والفرص للمبدعين بشفافية. أما في البحرين، فإن دمج مبادئ الحوكمة في منظومة العمل الثقافي والإبداعي من شأنه أن يرفع كفاءة المؤسسات الداعمة مثل هيئة الثقافة والآثار وتمكين، ويعزز الثقة بين رواد الأعمال والمستثمرين، مما يخلق بيئة أكثر استقراراً واستدامة للإبداع وريادة الأعمال. وهكذا تصبح الحوكمة الرشيدة الإطار الذي يضمن تحويل الإبداع إلى قيمة اقتصادية مستدامة، لا تعتمد على الموارد الطبيعية، بل على الإنسان المبدع ذاته.

وفي السياق البحريني تحديداً، يتجلّى الاقتصاد البرتقالي في العديد من المبادرات الوطنية التي تربط الإبداع بريادة الأعمال. فقد برزت البحرين كحاضنة للمواهب والمشاريع الإبداعية الصغيرة من خلال مؤسسات مثل هيئة البحرين للثقافة والآثار التي أطلقت برامج لدعم الفنون البصرية والحرف اليدوية، وصندوق العمل (تمكين) التي موّلت مشاريع شبابية في مجالات التصميم والإنتاج الإعلامي والتقني. كما ساهم مهرجان البحرين السنوي للفنون التشكيلية في تعزيز الوعي بقيمة الفنون كمصدر اقتصادي وثقافي، إلى جانب دعم (تمكين) لمبادرات رواد الأعمال في الصناعات الإبداعية مثل التصميم والإنتاج الرقمي والتسويق الثقافي. وفي السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الجامعات البحرينية - مثل جامعة البحرين والجامعة الخليجية والجامعة الملكية للبنات - بطرح برامج أكاديمية تجمع بين الإبداع وريادة الأعمال والتنمية المستدامة، تأكيداً على أهمية الاقتصاد البرتقالي كمسار جديد لتوليد فرص العمل النوعية للشباب البحريني.

إن الاقتصاد البرتقالي ليس مجرد اتجاه اقتصادي جديد، بل فلسفة تنموية شاملة تضع الإنسان المبدع في قلب عملية النمو بوصفه رأس المال البشري الأهم في منظومة التنمية الحديثة. وفي البحرين، يمكن لهذا الاقتصاد أن يشكّل رافداً محورياً لتحقيق رؤية البحرين الاقتصادية 2030 التي تقوم على مبادئ الاستدامة والتنافسية والعدالة. فهو يفتح آفاقاً غير تقليدية أمام رواد الأعمال، ويهيئ بيئة تدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة ذات البعد الثقافي والإبداعي، كما يعزز الهوية الوطنية عبر توظيف التراث المجتمعي في منتجات معاصرة قابلة للتسويق إقليمياً وعالمياً. إن دمج الاقتصاد البرتقالي ضمن خطط التنمية المستدامة والحوكمة الرشيدة سيمنح البحرين ميزة تنافسية متقدمة في المنطقة، ويجعلها نموذجاً رائداً في استثمار الإبداع كأصل اقتصادي واجتماعي واستثماري.

فالإبداع ليس رفاهية فكرية، بل خيار استراتيجي لمستقبلٍ أكثر إشراقاً واقتصادٍ أكثر تنوعاً واستدامة.

*أكاديمي بحريني