جائحة لا تذهب مع الريح
| أسامة مهران
جائحة أم وباء، مرض أم عرض أم حادث طارئ لا سمح الله، لكنها الحقيقة العارية، صفحة الوقائع المتوارية، هزة الوجود المعادية، وضمانات اللاعودة، والذهاب المُطلق مع الريح.
حتى لا تواجه البشرية ما واجهته خلال الأعوام 2020 - 2023، وحتى لا تُخيِّم علينا أشباح الموت الزؤام مرة ثانية، بل وحتى لا نقف مشدوهين، مهمومين، مرعوبين أمام المجهول، نرى أنفسنا وقد ورينا الثرى فجأة ومن دون مقدمات، نودع عائلاتنا بالروح بالدم بالهتاف والدموع من دون أن نشارك في دفنهم، أو نعرف حتى أين تسكن قبورهم، حتى لا نقف عاجزين مكتوفي الأيدي مطأطئي الرؤوس، وفاقدي القدرة على الحياة، خرج أحد المفكرين البحرينيين عن صمته، ورفض السكوت على ما خلفه الحدث العظيم، قرر فجأة ثم بعد تفكير عميق الوزير الأسبق للعمل والشؤون الاجتماعية ووزير الدولة الأستاذ عبدالنبي الشعلة، أن يوثق لمرحلة ويؤرخ للجائحة، كورونا ولا شيء سوى كورونا، أن ينطلق مع الناس بعد أن زال الخطر، وبدأت أجراس الأمان تدوي في السماء، وأحلام العذارى تعود إلى الخروج من يرقاتها الخضراء. جاء الوزير الأسبق والمفكر العربي القدير ليعيد تشغيل شريط أحداث الجائحة من جديد، قال في عنوان كتابه الذي قام بتدشينه في مقر جمعية الأطباء البحرينية أول أمس الأربعاء، وسط حشد من جمهور المتابعين والنخب، “حتى لا ننسى تلك الأيام”، وحتى لا ننسى حصار كورونا، وحتى لا يلدغ المؤمن من ذات الجُحر مرتين
أعاد المؤلف إلى الأذهان عدوان الطبيعة وهي تمارس أقسى أنواع غضبها على الإنسان.
في البدء كانت كورونا عام 2020 أو سنة انطلاق الجائحة، ما الذي حدث بالتحديد، كيف واجهت البشرية الوباء، ولماذا لم تستعد له جيدًا رغم التقدم التكنولوجي الهائل، والثورة الرقمية الفارقة؟ هل ما خفي كان أعظم، وأن الصراعات الدولية على قيادة العالم كانت أحد أسباب التراخي الأممي لمكافحة فيروس في حجم الخلية، وفارس هُمام فاقد كل تعاليم وأبجديات الفروسية؟ ما هي الدوافع للصراع الخفي، هل هي الحرب التجارية، هل هو التدريب الإلهي الأخير للبشرية على مقومات “الموقف العظيم”، وهل هي القيامة العاجلة التي يحذرنا منها المولى جل وعلا بأننا وإذا اعتقدنا بقدرتنا عليها – أي على الأرض “وظن أهلها أنهم قادرون عليها”؟ جاء الله إليهم بالاختبار الصعب ليذكرهم بأن الله أكبر، وأن الله أعلم، وأن الله أرحم.
هكذا يذهب الكتاب من دون أن تذهب أحداثه مع الريح، عشرة فصول على وجه التقريب، و180 صفحة إلى جانب الغلافين، جاءت في لحظة فارقة أُصيبت فيها البشرية مجددًا بحالة استرخاء دعتها إلى توديع الراحة والرحمة والتسامح إلى غير رجعة، بل دفعت الإنسان الذي لا يتعلم عادة من الدرس ولا من التجارب إلى أن يكون أكثر قسوة وأشد بأسًا بأخيه الإنسان، ولعل في مشهد قطاع غزة ما يؤكد أن بعض البشر لم يتعلم من درس كورونا رغم قسوته، وأن التعاون الإنساني بين أمة بني البشر فقد قدرته على التواصل رغم شبكات التواصل الاجتماعي العنكبوتية، بل ورغم أدوات الاتصال الرقمية الجهنمية.
جاء كتاب عبدالنبي الشعلة بإنذار شديد اللهجة للعالم أجمع، يقول: أفيقوا يا أمة بني البشر، فنحن لسنا بعيدين عن جائحة أخرى، أجلوا صراعاتكم، حافظوا على كونكم، صونوا طبيعتكم الخلابة، ولا تقطعوا أشجار الغابات، وازرعوا في كل يوم فسيلة، هكذا يذكرنا المؤلف العزيز، وهكذا يطرق على الحديد قبل أن يبرد، لا يمكن لأحد أن يتصور عالما بلا أمراض، ولا مواجهة من دون قدرة، ولا يمكن لأحد أن يتغافل عن موت محدق في كل لحظة، ومع كل قرار غابر للفتك مجددًا بالإنسانية، حرب غزة راح ضحيتها عشرات الآلاف من البشر، وحرب أوكرانيا مازال جسمها النحيل ينزف، ومازالت الأمم العظمى تبحث وسط دماء قتلاها عن المعادن النادرة، والمصالح الدنيوية الزائلة.
التحذير كان مدويًا من السيد الشعلة، والكتاب كان طلقة إفاقة لعالم لا يتعظ، وإنسان لا يراعي أخاه الإنسان، ولبشرية تنسى كل شيء ربما لأن ذاكرتها أصبحت أكثر هشاشة من الكون العظيم.
حتى لا ننسى كورونا، لابد أن نتذكر ما حدث عام 2020 وما بعده، ما حدث للاقتصاد وأسواق العمل والحياة الاجتماعية والتعليم والتعلم، وأما قبل وأما بعد وفصول أخرى مثيرة يقدمها المؤلف في نسخة لا تتكرر كثيرًا، وفي حدث نخشى أن يباغتنا على حين غرة، فنندم في وقت لا ينفع فيه الندم.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية