اليقظة المتأخرة

| هلا الخباز

وقفت أمام المرآة تتأمل تعابير وجهها: “منذ متى وأنا هنا عالقة بمشاعري لا أبرح؟ سامحي وامضي في طريقك.. أسامح من؟!”. في داخل كل واحد منا مساحة مزدحمة: أصوات من الماضي، عتابات مؤجلة، مواقف لم نغادرها، ملفات لم تغلق، وأشخاص لم نودعهم.. خيبات صغيرة داخلنا وندم متنكر في هيئة صمت أو عتب. في لحظة الندم، نقف على حافة بين ما كان وما كان يجب أن يكون.. نعاتب أنفسنا أحيانا، ونتساءل أحيانا أخرى، نحاول أن نفهم: أين اختل الطريق؟ لكن المفارقة أن الندم، الذي نظنه وجعا، قد يكون أعظم بوابة نعيد من خلالها بناء ذواتنا. فالندم ليس ضعفا، بل وعيا، هو إشارة من النفس: “لقد أدركت”. وكل إدراك هو شكل من أشكال النضج والحرية، ندمنا على صمت في لحظة كان يجب أن نتكلم فيها، أو على فرصة تركناها تمضي.. الندم هو ما يصنع فينا اتزانا يجعل خطواتنا القادمة أكثر صدقا. أو كما قال الفيلسوف نيتشه: “لا تندم على شيء، فكل لحظة من حياتك كانت ضرورية لتجعلك ما أنت عليه الآن”. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الندم مؤلم، لكنه ليس حكما نهائيا، بل هو تمرين على التسامح مع النفس، مساحة داخلية نحاور فيها أرواحنا بعيدا عن ضجيج الآخرين. فحين نتصالح مع الندم، نمنحه وظيفة إيجابية: أن يذكرنا لا أن يكسرنا. فالمضي قدما لا يعني نسيان الماضي، بل إعادة ترتيب أحداثه داخلنا حتى لا تبقى عثرة في طريقنا. أو كما يقول مارسل بروست: “الحياة ليست ما نعيشه فقط، بل ما نتذكره منها وكيف نتذكره”.

لكن أكثر ما يثقل الروح ليس أخطاء الآخرين، بل قسوتنا على أنفسنا، فنحن نحاسبها على كل ما لم نفعله كما يجب، نجلدها على كلمة قلناها أو لم نقلها، نعيد الأحداث ليالي وأياما وكأننا نملك قدرة على تغييرها. يقول غابرييل غارسيا ماركيز: “الناس لا يموتون حين يجب، بل حين يستطيعون”. وكأنه بعبارته يترجم فكرة الندم الذي لا يحدث حين نخطئ، بل حين نصبح قادرين على رؤية الخطأ بوضوح مؤلم بعد فوات الأوان. الندم شعور متأخر بطبعه، يأتي بعد أن تغلق الأبواب وتغيب الوجوه، يأتي عندما نصبح أكثر نضجا مما كنا عليه، وأكثر إدراكا لما خسرناه. لذلك، لا شيء يشبه قسوة الندم سوى إدراك أن الوقت لا يعود. يقول دوستويفسكي: “العقاب الحقيقي ليس ما يفرضه الآخرون، بل ما نحمله في داخلنا”. وهذا هو جوهر الندم، فبدل أن يكون دافعًا للتعلم، يتحول إلى دائرة مغلقة من اللوم والتأنيب.. نعيد المشهد في أذهاننا، كأننا نملك سلطة تغييره. لكنه يظل كما هو صامتا، جامدا، لا يتزحزح، بينما نحن نعلق في محاولتنا لإصلاح ما لا يمكن إصلاحه. الندم بهذا الشكل يعطل المضي قدما، فهو يستهلك طاقتنا في التفكير بما كان، حتى نغفل عما يمكن أن يكون. نعيش أسرى الماضي، وننسى أن الغفران للنفس هو بداية الطريق للخلاص. يقول الفيلسوف إريك فروم: “الندم لا يغير شيئا، لكنه يفسر لنا من نحن”. فالندم إن لم نحوله إلى وعي، يصبح وسيلة للهروب من الحاضر.. نبرر به خوفنا من البدء من جديد، ونختبئ وراءه كدرع من الحسرة يمنعنا من التقدم. أن تسامح نفسك لا يعني أن تنسى، بل أن تتصالح مع نسختك القديمة، أن تراها بامتنان لا باحتقار. أن تطبطب على نفسك: لقد تصرفت وفقا لما أعرف وما أستطيع. مسامحة النفس والتحرر من الندم تبدأ حين ندرك أن الماضي انتهى، وأننا لسنا ملزمين بحمله ككيس من الحجارة يحني ظهورنا، يبدأ حين نمنح الآخرين مساحة الرحيل دون كراهية، ونمنح أنفسنا مساحة البقاء دون جلد. يبدأ التحرر حين ندرك أن الغفران ليس ضعفا، بل أعلى درجات القوة، لأن من يسامح يمتلك القدرة على الفهم، لا فقط على الانتقام. أو كما يقول ابن الرومي: “وراء الخطأ جمال ما، فكل سقطة هي درس تنمو بعده الروح”.

كاتبة ومستشارة في العلاقات العامة وصناعة الصورة الذهنية