العالم والاقتصاد والفأل غير الحسن

| أسامة مهران

لا أحد يعلم إلى أين يتجه قطار الاقتصاد، إلى ركود أم إلى رخاء؟ إلى نعيم أم إلى جحيم لا قدر الله؟ وإلى توافق أم إلى صراع؟ هكذا يطرح العالم السؤال، وصناع القرار فيه يدركون أننا أمام معضلة كبرى، أهم ملامحها أن سعر أوقية الذهب قفز أكثر من الضعفين خلال سنتين من 1700 دولار إلى أكثر من 4000 دولار، أرقام الخبراء تبشر بوصول هذا السعر إلى 15 ألف دولار في غضون السنتين القادمتين. الأسباب كثيرة ومدهشة، مثيرة وكاشفة، أخطرها أن الصين ذهبت إلى مناجم الذهب لكي تشتري آلاف الأطنان من المعدن النفيس، وأنها قررت فجأة ومن دون مقدمات أن تستبدل “عملة مأوى الأمان” التي كان يحمل لقبها الدولار الأميركي بالذهب، وأن تقرر أثناء الحرب التجارية المعلنة مع الولايات المتحدة بعد ولاية ترامب الثانية أن تكون حرب الرسوم الجمركية بمثابة الحرب الشاملة، من يستطيع تكسير عظام من، ومن يمكنه الانتصار في حرب متكافئة حتى اللحظة قياسًا بالناتج المحلي الإجمالي الأميركي الذي لم يتجاوز رقم الـ 22 تريليون دولار، بينما نرى الحصان الأصفر الصيني وهو يلاحقه عند الرقم 19 تريليون دولار، أي أن هذا الرقم أصبح على بعد نحو تريليوني دولار وتتساوى بعده الرؤوس، ولا يمكن بعدها أن ينفرد “الرُخ” الأميركي بصدارة الاقتصاد العالمي، وربما قد لا ينجح في استمرار سيطرته التكنولوجية على القرار التقني الدولي بعد أن بدأت الصين في امتلاك زمام أمور “الشيب” المعالج، ويقال إنها قاب قوسين أو أدنى من الانفراد بإنتاجه في مصانع بتايوان والصين بعد استخراجه من محاجره في كاليفورنيا وهاواي. هذا الوضع يؤهل الصين التي تلقّت إنذارًا شديد اللهجة قبل أيام من الحكومة الأميركية الحالية بتوسيع الحرب التجارية إلى امتلاك زمام أمور الاقتصاد العالمي، خصوصا أن الولايات المتحدة الأميركية بدأت إخراج كل أسلحتها في وجه التنين الصيني، محذرة من مغبة الدخول في سباق تقني جديد نحو السيطرة على النفط الروسي من خلال اتفاقيات من تحت “الطاولة” رغمًا عن أنف الحرب الأوكرانية التي قد يطول أمدها لأكثر مما كان محسوبًا لها وفقًا لتوقيت ترامب. على أية حال، نحن داخل هذه المنظومة الاقتصادية الدولية لا يجب أن ننتظر حتى لا تطولنا ألسنة اللهب المتأتية من أسعار الفائدة الأميركية التي قد يتم تخفيضها مرة أخرى، فتدخل بالعالم إلى نفق جديد من المشكلات الاقتصادية التي تحمل شعارًا مأسوفًا عليه هو “الركود التضخمي”، وهو مأزق قد يودي بعجلة الأسهم الأميركية إلى الجحيم، وقد يذهب بالدولار الأميركي الذي تتم طباعة ثلاث نسخ من كل ورقة دولارية حاليًا لتغطية العجز الأسطوري في الموازنة الأميركية، رغم أنف كولن باول محافظ الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الذي لا سيطرة لترامب عليه مطلقًا، خصوصًا أنه سيظل باقيًا على حكم “الفيدرالي الأميركي” لعام 2026 قبل أن يتم تعيين “تابع” للرئيس في “الفيدرال ريزيرف”، بل وقبل أن يتم اللجوء إلى طباعة مزيد من أوراق البنكنوت الدولارية لتصل إلى سبعة أضعاف ما هو موجود في الأسواق النقدية حاليًا. رغم التضخم، ورغم الركود، إلا أن التحديات القادمة من أسواق المال ترى من بعيد شبح انهيارات تاريخية في أسعار الأسهم، تمامًا مثلما ترى شياطين الأسواق المرتعشة وهي تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه بطرح مظلة وهمية جديدة من العملات الرقمية المشفرة “البيتكوين” وأخواتها، وربما يمتد الفزع على استقامته ليثير الرعب في النفوس من احتمال أن تشهد تلك العملات تهاويًا جديدًا في أسعارها بعد أن أصبحت الوحدة الواحدة تعادل أكثر من 120 ألف دولار، وبعد أن كانت قد سقطت في فخ ما دون الخمسين ألفًا قبل فترة وجيزة من الانتعاشة الأخيرة. على أية حال، كان الهبوط الأحدث في تلك العملات هو ما تم تسجيله يوم الجمعة الماضية حيث كان التراجع حادًّا ومثيرًا من 125 إلى 111 ألف دولار لكل وحدة بيتكوين. إلى أين يتجه العالم بعد الوضوح الكامل لهذه المعطيات؟ الله وحده أعلم.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية