حصيلة مغامرة حماس.. الفلسطينيون تحت الصفر

| أحمد جعفر

بعد مرور عامين على ذكرى أحداث السابع من أكتوبر، وردة الفعل الإسرائيلية العنيفة في غزة والمنطقة برمتها، وقفت أتساءل بهدوء هل كسبت حماس شيئًا من تلك الهجمات التي لم تميز بين يهودي وبوذي؟! تلك المغامرة الطائشة لم تحرر الأقصى ولم تسترد شبرًا واحدًا من فلسطين التاريخية (دولة إسرائيل الحالية التي يعترف فيها المجتمع الدولي وتصر عقيدة حماس على تدميرها)، لكنها أسفرت عن سقوط أكثر من 70 ألف قتيل - غالبيتهم أبرياء - ومئات الآلاف من الجرحى وتشريد أكثر من مليون فلسطيني من سكان قطاع غزة. وبجانب الأمهات الثكلى والعوائل المكلومة، تحوّل القطاع إلى أنقاض لا يصلح للسكن الآدمي، حيث يتكدس معظم الناس في منطقة المواصي التي كانت أرضًا قاحلة قبل الحرب. الجماعة الراديكالية نفسها انتهت عسكريًا بعد أن خسرت غالبية مقاتليها المهرة ولم يبقَ من سلاحها شيئًا يستطيع تهديد إسرائيل بهجوم مماثل. سياسيًا، رفعت حماس الراية البيضاء فيما يتعلق بمستقبل حكم القطاع دون أن يكون لها أي دور ضمن “مجلس السلام” الذي يشرف عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنفسه مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. وبعد موافقة الحركة على خطة ترامب مؤخرًا ودخولها في مفاوضات لتسليم الرهائن الأحياء والأموات لإيقاف الحرب، فإن إسرائيل ستبقى مسيطرة على 58 بالمئة من أراضي القطاع الساحلي قبل الانسحاب التدريجي، ولن تحصل بموجب الصفقة المبرمة حتى على جثتي الأخوين السنوار. أما الآلة الحربية لإسرائيل، فلم تقف عند حدود غزة؛ بل تجاوزتها لتشمل دولاً أخرى بما في ذلك إيران واليمن ولبنان وسوريا. كما أن ما يسمى بـ “محور المقاومة” انكسر هو الآخر، إذ سقط نظام الأسد في دمشق تحت وطأة الاستنزاف، وتراجع حزب الله اللبناني إلى أضعف حالاته منذ تأسيسه في 1982، وانكمشت المليشيات العراقية خوفا من الرد الإسرائيلي، في وقت تتعرض فيه لعقوبات أميركية جديدة، فيما استمر الحوثي في هجماته على إسرائيل رغم إعلان حماس موافقتها على إيقاف الحرب، ما يدل على أن هذه الجماعة لديها حساباتها الخاصة بعيدًا عن شعارات إسناد غزة التي تتشدق بها. أما إيران، الداعم الأول لحماس وبقية الجهات الفاعلة من غير الدول في المنطقة، فهي تعيش أسوأ لحظاتها منذ ثورة رجل الدين روح الله الخميني عام 1979، حيث تواجه عزلة غير مسبوقة وتهديدًا متصاعدًا بحرب غربية قادمة، في ظل رغبة واشنطن بتصفير أزمات المنطقة عبر تفكيك الميليشيات المسلحة وإنهاء النظام الذي يحتضنها. واليوم، بعد أن جلست حماس على الطاولة في شرم الشيخ وقبلت بخطة الرئيس ترامب التي تصب غالبية نقاطها العشرين لصالح إسرائيل، أصبحت الصورة واضحة جليًا: أحداث السابع من أكتوبر مجرد عبث دفع الفلسطينيون ثمنه، بدليل أن حماس سلمت بما رفضته قبل عام بعد أن فقدت كل أوراقها. والمفارقة المؤلمة أن ما فشل فيه العنف، تحقق عبر الدبلوماسية الهادئة التي تنتهجها دول الخليج؛ فالإمارات أوقفت ببيان واحد خطة إسرائيل لضم الضفة الغربية، والسعودية قادت حراكًا سياسيًا غير مسبوق مع فرنسا للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وقطر قلبت الطاولة على تل أبيب وأجبرتها على تقديم اعتذار رسمي بعد محاولة اغتيال قيادات حماس في الدوحة. لقد كشفت هجمات حماس في السابع من أكتوبر أن زمن الشعارات الجوفاء ولى وانتهى، وأن مفهوم المقاومة لم يعد يعمل في عصر يمكن للسلم فيه أن يكون أقوى من العنف. في النهاية، فإن إجابة السؤال الموجع تكمن في أن حماس واقعًا لم تكسب شيئًا واحدًا، لكنها جعلت الفلسطينيين يخسرون كل شيء ويأملون فقط لو أن عقارب الساعة توقفت في يوم السادس من أكتوبر.

كاتب بحريني