الديمقراطية... “دفعة واحدة”!
| كمال الذيب
هل بالإمكان القفز من حالة اللاديمقراطية إلى الديمقراطية الكاملة؟ أم أن الوصول إلى الديمقراطية الكاملة يحتاج إلى نوع من التدرج والصبر؟ تختلف الإجابات على هذا التساؤل، بحسب البلد والموقع والظرف التاريخي والاجتماعي والسياسي. وبعيدًا عن التنظير وبالعودة إلى التجارب المعاصرة نجد أن القفز يؤول في الغالب إلى الفشل بسبب التحول نحو الفوضى أو بناء استبداد جديد حتى عنوان ديمقراطي. وحتى الحالات الثورية التي ترفع الديمقراطية شعارًا، فإن هذه الديمقراطية غالبًا ما تنتهي إلى نوع جديد من الاستبداد بعد أن يتم تغيير العنوان، استبداد باسم الدين أو باسم الحزب أو باسم الشعار.. وقد رأينا مآل ما يسمى بالديمقراطية الثورية في التجارب المعاصرة. ومع الإقرار بالحاجة الماسة إلى الديمقراطية، فإن التدرج في ترتيبها وبناء هياكلها ونشر القاعدة الثقافية والدستورية والمجتمعية والتربوية لها، أمر في غاية الأهمية. فالمجتمع المدني يلعب الدور الأكبر في بناء الثقافة الديمقراطية وتأسيس التوجه الديمقراطي، لذلك يمثل هذا المجتمع تحديًا جديدًا لثقافتنا السائدة، لا فقط لغياب تقاليد الاختلاف والتسامح والمواطنة، لكن أيضًا لسعي البعض إلى إسقاط المفاهيم الديمقراطية على الواقع العربي بمنطق غربي لا يأخذ بالاعتبار خصوصية العلاقة بين السياسة والمجتمع، وجدلية المراحل في بناء الديمقراطية الوطنية على أسس دستورية مؤسساتية، إذ إن هشاشة التجارب في الحقل الثقافي والسياسي العربي ترجع في الغالب إلى غياب الفهم الواقعي لطبيعة السياسة والمجتمع والخلط بين علاقة الدين بالسياسة وعلاقة الدين بالدولة، ما يتطلب مشاركة القوى الحية والنخب في المجتمع في مختلف جبهات التحديث الاجتماعي والسياسي، لنشر التعددية وحرية التعبير والفكر والمعتقد وحرمة المواطن وقدسية الوطن. ولكن هذه السلطة المجتمعية لا تتكرس إلا في مؤسسات وعبر قوانين وجمعيات وإعلام يضمن وجودها دستور وآليات تشريعية تعبر عن التطلعات المشروعة. لذلك كلما تأخر المجتمع المدني في التشكل والوجود والفعل في حل ومواجهة التحديات والإشكالات الديمقراطية والمواطنية، تفاقمت هذه المشكلات، لأن المجتمع المدني مطلب تاريخي لا مفر منه تتحمل فيه القوى الحية المسؤولية الأُولى. إن الاعتقاد بإمكانية إنجاز الديمقراطية دفعة واحدة اعتقاد غير واقعي، والأمثلة في الواقع العربي أو غير العربي تؤكد استحالة حدوث مثل هذا التحول، ذلك أن الديمقراطية بناء تدريجي وحضاري بالضرورة.
كاتب وإعلامي بحريني