خربشة ومغزى | "الحُسْنُ والجَمَالُ ،، لهما باطن وظاهر"

| احمد عبدالله الحسين

 

 

الحسن والجمال لهما باطن وظاهر، فالباطن مُندس في خصال كالعلم والبراعة والجُود والشجاعة والتقوى والشهامة، والظاهر هو ما ظهر وبان، كمثل غصن قوامه رطيب، وبدر بلا معيب، يستنطق الأفواه بالتسبيح، كُنْهُ لا شبيه له، فلا تناله عبارة أو يسعه

وصف. قيل أن الجمال الظاهر هو ما تُدركه الحواس، والباطن ما يكون في البصيرة حتى إذا فقدها ما تلذذ بالجمال على جوهره. ولهذا الجمال الظاهر تركب من أشياء وضاءه في الخلائق والأكوان، والجبال والوديان، والسهول والهضاب، والشجر والثمر، والفنون والرسوم، وكُلُّ ما يحيط الإنسان.

وأرغبه عند البشر ما هو كائن في بني الإنسان، وما تناسب في الخِلْقَه من أعتدال واِستواء مرغوب، وأنسّكب في محياه حمرة حياء، وخجل باعث للروح. جمال مندس في العينين وملاحة الأنف، ورونق القد والأطراف ياخذ جملة البصر فلا يبرح عنه لغيره لما ترسّم به براعة ورقة، وأناقة وحُسْن خِلْقه. حُسن ما يُجلب بتزيين، ولا تحدثه تلاوين، هو فطري عذري.

ولهذا الجمال مُحبب للنفوس مُعظماً في القلوب، فالله جميل يحب الجمال، والجمال أيضا يتكامل في الحُسن بالفعل والخُلق والأوصاف.

أهل الفراسة جعلوا الجمال الظاهر دليلا على اعتدال المزاج، وهي نعمة من نِعْم الله على العبد تحسين خَلْقه وخُلقه وصوته.

إن المليحة من تُزين حِلّيها

لا من غدت بحِلّيها تتزينُ.

وكذلك الجمال باعث للحراره له سلطان على المحبه والعشق وناموسه سلطاني، كتعلق النار بالشمعه لا يطفئها كل هواء، ومن الجمال من أناخ به الحبّ ثقله، وجرع كأس الظنى هجره. الكلام فيه غريزه لا تُحيطها عباره ولا تستوفيها إشارة، إلا أن الصبابة ترسل كتابها قائلة؛

ولقد كتبت إليك لما جدَّ بي

وجدّي عليك وزادت الأشواق

وشكوت ما ألقاه من ألم النوى

فبكى اليراع ورقّت الأوراق

وأجمل الحُسن ما تلقاه مختبئا

خلف العيون حييا يَرسم الخجلا.

العرب لهم تراث أصيل عن الجمال والحبّ لما يغلب عليهم من فطرة، ورهيف إحساس، وفصاحة لسان وجنان، سطروا في ذلك جميل أشعار، وقصص ومرويات ضمتها جوانح التاريخ القديم، وسقى فيضها تآليف ونقول. واللغة العربية في بيانها وبديعها ومجازها وعاء أنسّكب به خيالات الشعراء وأشواقهم وطللياتهم، ولوعات ترحالهم، ارتصفت بالنغم الدلالي البليغ، وسياقات الوصف والتشبيب. هكذا لهم زخوم رادحة، غُرزت في المدر والوبر والواحات والفيافي والجبال، وشهدت عليه السماء بغيومها والنجوم بضيائها. وهكذا تاريخنا ناجب وَلُود عبر الأجيال، حاملا معاني الجمال والحبُّ والشوق.

ما أطيب الجمال حينما يقوم على تناسق واِنسجام بين الصورة والجوهر، وبين الجسد والروح، فكلما تحقق اِنسجام بين الداخل والخارج، صار الشيء جميلا. هكذا أورد كتاب الدكتور حسين الصديق عن فلسفة الجمال ومسائل الفن لأبي حيان التوحيدي، الذي يراه بعض الباحثين واضعَ علم الجمال في الثقافة العربية، وجرى قوله أن الجمال المثالي يتمثل بجمال الله تعالى عزَّ وجلَّ، الجميل المطلق، واهب الجمال، وهو سبب كل حسن وجمال، فالله هو مصدر الموجودات ومصدر كل جمال ومنه تستمد النفس البشرية جمالها. والجمال ثابت غير متغير يتوصل إليه بالعقل المجرد المستنير. والجمال عند الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين هو حُسن، والحُسْنُ جمال، وفيه كلُّ مُبْهجٍ مرغوبٍ فيه.

كتاب طوق الحمامة في الألفة والألالف لابن حزم الأندلسي مُتوفى سنة 456هـ، وكتاب روضة المحبين ونزهة المشتاقين للعلامة بن قيّم الجوزية المُتوفى عام 751هـ، فيهما نصوص تتهادى في مسائل الجمال والمحبّة.

هناك من الجمال البارع في المرأة فتَّان تكرهه العرب، وقد حُكِيَ أنّ رجلا شاور حكيما في التزوّج، فقال له؛ افعل، وإيّاكَ والجمال البارع؛ فإنه مَرْعىً أنيق. فقال الرجل؛ وكيف ذلك؟ فقال: أما سمعتَ بقول القائل؛

ولنْ تُصَادِفَ مَرعىً مُمْرِعاً أبداً

إلّا وجدتَ بهِ آثارَ مُنْتَجِعِ

وكانوا يقولون لهذا السبب المرء على دين زوجته لأنّها تَفْتِنُه بجمالها فيُتابعها على كلِّ أمر. أورد هذا حسن الكرمي في تحفته قول على قول.

هكذا الجمال البشري يلسع ساحر الطلعة ممراح، كالذي قال فيه الخوري(الأخطل الصغير)؛

الصِّبَا وَالجَمَالُ مُلْكُ يَدَيْكِ

أيُّ تَاجٍ أعَزُّ مِنْ تَاجَيْكِ

نَصَبَ الحُسْنُ عَرْشَهُ فَسَألنَا

مَنْ تُرَاهَا لَهُ، فَدَلَّ عَلَيْكِ

فَاسْكُبِي روحَكِ الحَنونَ عَلَيْهِ

كَانْسِكَابِ السَمَاءِ فِي عَيْنَيْكِ

كُلَّمَا نَافَسَ الصِّبَا بِجَمَالٍ

عَبْقَريِّ السَّنَا نَمَّاهُ إلَيْكِ

مَا تَغَنّى الهزارُ إلاّ لِيُلْقِي

زَفرَاتِ الغَرَامِ فِي أُذُنَيْكِ

تذوق الجمال ناموس، وهو موروث عند الأمم، بل يصفوا السعي إلى الشعور بالجمال والفأل سمة حياة لا لوث شقاء وأثم.