ريادة العمل الحر
| د. عبدالله الحواج
قلناها مرارًا وتكرارًا، الحكومة لا تستطيع بمفردها القيام بكل شي: التوظيف، توفير السلع والمنتجات، قيادة ريادة الأعمال، وتقديم أرقى الخدمات. من هنا كان المغزى والمرتجى، للقاء المبارك الذي دعا إليه مليكنا المعظم قبل أيام، وحضره لفيف من أفراد العائلة الكريمة وكبار المسؤولين في الدولة والتجار ورموز ريادة الأعمال. كانت كلمات العاهل واضحة: أنتم من تصنعون المستقبل، وأنتم من تحملون راية النمو، وملامح النشاط الاقتصادي، وحركة الأسواق التجارية، وأنتم من نعول عليهم كثيرًا، ونعتمد على إبداعاتهم أكثر، وننظر إليهم كرموز فائقة القدرة، وهامات لصناعة الفرص، وكيانات لتعظيم القيمة المضافة، وتحديد ملامح النماء إذا ما كان مستدامًا أو مرحليًا أو دون ذلك. صاحب الجلالة، حفظه الله ورعاه، ألقى كلمة سامية ثمّن فيها دور رواد الأعمال وصلابة إرادتهم لمواجهة تحديات السوق، والانطلاق بمؤسساتهم إلى العالمية. الإشادة كانت محل اعتبار جلالته، أيده الله، عندما تحدث عن البناء الثابت لقطاع العمل التجاري الحر في مملكة البحرين، ذلك البناء القائم على نظم حديثة وممارسات عريقة تستند إلى خبرات الرواد الأوائل الذين قدموا دروسًا ثمينة في قدرة التاجر البحريني على تنمية النشاط الاقتصادي المرموق، وذلك الذي نعتبره عمادًا لجهود الحاضر وطموحات المستقبل. كان ذلك غيض من فيض، تحدث فيه مليكنا المعظم وأفاض في تأكيد ثقته بقوة البنية الاقتصادية وصحة مناخها الاستثماري؛ بفضل ما توفره من خدمات متنوعة وبرامج متقدمة، وبتعاون مشترك ومقدر للمؤسسات المعنية كافة وفي مقدمتها صندوق العمل “تمكين”؛ الأمر الذي يجعل البحرين وجهة استثمارية مثالية ومركزًا إقليميًا متكاملًا لريادة الأعمال. من هذا المنطلق، كان يجب - ونحن في مطلع عام أكاديمي جديد - أن نربط رؤية جلالة مليكنا المعظم بوضع التعليم، وكيفية تحقيق المواكبة بين طموحات قائد، وأداء مواطن، بين أحلام أمة، وتحقيق هذه الأحلام على أرض الواقع. من هنا كان لابد من الحديث عن مناهجنا التعليمية، وكيفية ربطها بطموحات القيادة، ومن ثم تحويل التوجهات والرؤى إلى سياسات مرتكزة على قواعد علمية مهنية، تمامًا مثلما هي الحاجات المتعاظمة إلى مواكبة ثورة التحديث التكنولوجية في قطاعات المال وريادة الأعمال والتجارة وغيرها، هي ما أدى إلى أن تصبح تلك القطاعات محط أنظار العالم، وأن تحقق لبلادها السمعة الطيبة والصورة الذهنية اللائقة، حتى تتحول مملكة البحرين إلى مركز إقليمي دولي لجذب الاستثمارات طويلة الأجل، وتلك التي تساعد وتستفيد من تنمية المهارات والابتكارات المؤسسية، والنماء الاقتصادي المستدام وفق رؤية واضحة، وخطة مدروسة، وحركة تعليمية ناهضة. إن مسؤوليتنا كأكاديميين تصب في هذا الاتجاه، ضرورة حتمية لربط التعليم بمشكلات وقضايا المجتمع، بل وربط البحث العلمي بتلك القضايا والمشكلات وإخراج بحوثنا العلمية من بوتقة التنظير إلى التطبيق، ومن التفكير إلى التنفيذ العميق. هنا يمكن أن تتحقق رؤية العاهل المعظم فينا، وهنا يمكن ترجمة هذه الرؤى إلى فرص واستحقاقات ومجالات واسعة للعمل والإبداع والابتكار.
لقد حرصت المنظومة التعليمية والحركة العلمية في بلادنا على المواكبة بين خطط الدولة وثورة “الأرقمة”، بين احتياجات المجتمع والإمكانات المتوفرة، ومن ثم الجهوزية التي ستظل على المحك، والقدرة على تحويل المعارف إلى أفكار، والأفكار إلى مشاريع وقدرات ومنتجات في الأسواق والمؤسسات، وما خفي هو بعون الله أعظم.