هاذِمُ اللذات!
| د. جاسم المحاري
تقص أمّه الطاعنة في السنّ بحسرة وألم حادثة موت ابنها الذي فقدته مبكرًا بعد بلوغه الحلم لتوه، أنّه كثيرًا ما يتردد إلى أحد بلدان شرق آسيا المعروفة بسحر طبيعتها وانفتاح مواطنيها على شعوب العالم من حولهم. نصحته أنْ يتوقف عن السفر ويتجنب رفقاء السوء، إلا أنّه أصرّ على السفر بمعية أولئك الرفقاء دون مراعاة مشاعرها كأمّ عليه طاعتها. وذكرت بأنّه استأجر فندقًا مع رفقائه هناك يجتمعون فيه على الزمر واللهو وما شابه. وفي الصباح، تركوا ابنها ثملًا في الفندق وذهبوا للتنزه في البحر بعيدًا. إلا أنّ المفاجأة عندما رجعوا، وجدوا الفندق مُحاطًا بالشرطة بعد أنْ أتتْ عليه النار بأكمله وصاحبهم متفحمًا! أجل.. إنّه الأمر الحتمّي - والنهاية القاهرة - الذي وصفه نبينا الكريم (ص) بـ “هاذِمُ اللذات” – ألا وهو الموت - والذي حذر منه صحابته الكرام وما تلاهم من تابعين وفق حقيقة ملموسة محسوسة لخروج الروح النابضة من البدن الهامد عن الحراك، بلذائذ النّعم وأحاسيسها بمغريات الشهوات التي يبدأ فيها الكائن البشري الهزيل رحلته الطويلة إلى عالم الآخرة الأبدي، حتى محين نهايتها به، في نعيمها الدائم مع فردوس الجنان، أو في شقائها الدائم بقعر النيران وسط مشاهد قبض الروح وعذاب القبر. وهو إذا ما استحضرت ذكراه في عالم الدنيا؛ فإنّه يدفع – دونما ريب - بالنفس الأمّارة إلى عدم الغفلة، أو إهمال الواجبات أو الابتعاد عن المحرّمات، على سبيل تهذيب النفس وإبعادها عن الأذى وتجنيبها الضرر واتّعاظها من العذابات واستنهاضها عن المنزلقات - عند الغافل والساهي سواء.
والتي يقطع فيها هذا المخلوق أو ذاك علائقه مع أزواجه وقراباته من الأبناء والبنات والإخوة والأخوات، وعمّا يمتلكه من مال أو منصب أو جاه، بل وكل ما يُتنعّم به أو يُستفاد منه.
نافلة: يظل ذكر الموت من أنفع أدوية القلوب ودواعي الحياة إليها وعلل الصلاح لها الذي تجلّى فيه إبداع الخالق العظيم أمام أعين مليارات مخلوقاته على أصقاع فسيح أرضه واتساع سماواته، إلى حيث هو “الحتمّ اللازم” الذي لا تمنعه متاريس القلاع ولا علو الأسوار ولا حَول الحجّاب ولا ارتداد الأبواب دون حاجة وقتئذٍ يأتي فيه إلى مقدمة أو استئذان في مسيرة مطاياه من الليالي وتعاقب الأيام، فحينئذٍ تقرب مخلوقاته تلك إلى ربّها الجليل إذا ما مرّت بدنو آجالها واحتضار أرواحها وتدّلي لسانها، في لحظات خاطفة من زوال العرفان ونشر الأكفان وفراق الإخوان وتشتيت الجماعات وتنغيص الشهوات وتقطيع الأمنيات وإيتام البنين والبنات وسط فضاءات التذكير بذاك “الكأس الحتمّي” شرابه إلى مبتغى مواريث الأعمال وخواتيم الفوز بالجنة والنجاة من النار، عبر حلقة متسلسلة عن شدة سكراته وتذكر عذابه عند ضيق القبر وقسوة الأهوال في يوم العرض وتطاير الصحف وموازين الصراط وحيرة الخلق وذهول العباد.
كاتب وأكاديمي بحريني