وداعًا للكفاح الفلسطيني المسلح
| رضي السماك
ظلت القضية الفلسطينية منذ نكبة 48 من أعقد قضايا التحرر الوطني العالمية، وأطولها زمنًا، لظروف ذاتية وموضوعية، حيث تواجه استعمارًا استيطانيا ينكر وجود الشعب الفلسطيني في وطنه، ولم يتوان عن طرد الجزء الأكبر منه، ليتوزع على الشتات والمنافي مختلفة الظروف، فسكان المخيمات الذين هُجّروا لم يتحملوا المعاناة اليومية والإذلال الذي وجدوا أنفسهم فيه، وتحت ضغوط تلك المعاناة المريرة تبنوا “الكفاح المسلح” انطلاقاً من دول الجوار العربية، دونما أن تكون لهذا الكفاح بيئة حاضنة، فأصيبت المقاومة بخيبة كبرى كان مشهدها الختامي طردها من بيروت 1982 غداة الاجتياح الإسرائيلي، فكان أن نزعت قيادة منظمة التحرير إلى الحلول السلمية، فجاء اتفاق أوسلو 1993 الذي لم تلتزم إسرائيل به، فيما تبنت حركة حماس النضال بتفجير الباصات داخل إسرائيل، ولما شعرت بعدمية هذا الأسلوب، لجأت إلى المقاومة بالصواريخ من داخل قطاع غزة المحاصر بدعم إيراني، حتى قيام جناحها العسكري بعملية الطوفان المتطرفة بالغة الخطورة، وكان ذلك مبرراً كافياً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الملاحق من قِبل القضاء الدولي لشن حرب إبادة على سكان القطاع، لتنتهي هذه الحرب باستسلام حماس وقبولها على استحياء مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الشريك الفعلي لإسرائيل. أما فلسطينيو الشتات في الدول العربية والأوروبية فكانوا في ترف بعيداً عن تلك المعاناة، وإن أيدوا الكفاح المسلح، لكن معاناتهم ليست كمعاناة أهل المخيمات. أما عرب 48 الذين عجزت إسرائيل عن طردهم من وطنهم وحملوا الجنسية الإسرائيلية فكانوا الأكثر موضوعيةً في تبني وسيلة النضال السلمي وانتزاع ما يمكن انتزاعه من “ الديمقراطية الإسرائيلية” بما في ذلك الوصول إلى كراسي البرلمان “الكنيست”.
ولا شك بأن قبول حماس مبادرة ترامب بعد أن بات واضحاً أن لا مستقبل للكفاح المسلح يُعد اعترافاً ضمنياً بعدمية هذه الوسيلة النضالية المدمرة وإسدال الستار الأخير على أسطورتها، ولكن تبقى ثمة وسائل نضالية سلمية عديدة كفيلة بأن تحقق للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، بما في ذلك حق تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
كاتب بحريني