فيتنام تكتب المستقبل بالإسمنت والحديد

| عبدالله بوقس

في زمن تتزاحم فيه الأزمات، تُطلّ فيتنام من نافذة الأرقام والمشاريع، كمن يخطّ على صفحة التاريخ سطرًا جديدًا يرفض الرتابة. بإطلاق 250 مشروعًا استثماريًا تجاوزت قيمتها 1.28 كوادريليون دونغ فيتنامي (48.64 مليار دولار)، تُعلن الدولة الآسيوية أن التنمية ليست مجرد شعار، بل قطار يسير على سكك من الإسمنت والحديد والعقول المبتكرة. هذا التدشين لم يكن مجرد حدث اقتصادي، بل علامة على تحول اجتماعي عميق؛ إذ شملت المشاريع 59 في البنية التحتية للنقل، و44 في الأعمال المدنية والحضرية، و57 في الصناعة، و36 في البنية التقنية. وفي قلب مدينة هوشي منه، يبرز مركز الأبحاث والتطوير التابع لشركة “فيتيل” باستثمار قدره 10 تريليونات دونغ (380 مليون دولار)، كرمز لاتجاه جديد نحو السيادة التكنولوجية، حيث التركيز على أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والبيانات. ولأن البنية التحتية هي لغة النمو، فقد أظهرت فيتنام التزامًا صارمًا بتوسيع الطرق السريعة لتصل إلى 2,476 كيلومترًا، والطرق الساحلية إلى 1,397 كيلومترًا. وبنهاية العام، من المتوقع أن تتخطى البلاد 3,000 كيلومتر من الطرق السريعة، مع إنجاز أساسي لمطار “لونغ ثانه” الدولي، وهو مشروع يعكس رهانًا طويل المدى على جعل فيتنام عقدة لوجستية في قلب آسيا. لكن التنمية لا تقتصر على الطرق والمطارات؛ فالاهتمام بالصحة العامة يشكل الوجه الآخر للمعادلة. فقد أطلقت الحكومة عشرة مشاريع صحية كبرى، من بينها مستشفى الأورام في محافظة نغي آن بسعة 1,000 سرير وتكلفة. وتستهدف البلاد بين 2026 و2030 ضمان حصول 90 % من السكان على الرعاية الوقائية، مع التطلع إلى تخصيص 25 تريليون دونغ سنويًا (950 مليون دولار) بحلول 2035 للفحوص الطبية المجانية، استعدادًا لمجتمع يبلغ تعداده 100 مليون نسمة. اللافت أن هذا الحراك الاقتصادي والاجتماعي يستند إلى قاعدة صلبة؛ فقد ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي من 121 دولارًا في 1990 إلى ما يُقدّر بنحو 4,900 دولار نهاية 2025، مع طموح بلوغ 7,500 دولار بحلول 2030. أرقام كهذه تضع فيتنام في مصاف الاقتصادات الصاعدة، وتُذكّر بتجارب كوريا الجنوبية وسنغافورة حين حوّلت الاستثمار في البنية التحتية والتعليم إلى قاطرة للنمو الاجتماعي. بالنسبة للقارئ في الخليج العربي، فإن هذه التجربة ليست مجرد خبر عابر، بل درس في استثمار اللحظة. فالخليج الذي يسعى لتنويع اقتصاده ما بعد النفط، يمكنه أن يرى في فيتنام شريكًا استراتيجيًا، سواء عبر نقل الخبرات في البنية التحتية أو الاستثمار في مشاريع الرعاية الصحية والتكنولوجيا.  إن ما يحدث في فيتنام اليوم قد يتحول غدًا إلى جسور من التعاون تمتد من هانوي إلى المنامة والرياض وأبوظبي والكويت والدوحة، حيث تلتقي الطموحات في نقطة مشتركة: جعل التنمية حقًا اجتماعيًا واقتصاديًا، لا مجرد إنجاز إحصائي.