طيران الخليج... وما أدراك
| زهير توفيقي
من يقرأ عنوان المقال يعتقد من الوهلة الأولى أنني سأكتب مثل باقي الأقلام التي انتقدت قرار تعيين رئيس تنفيذي أجنبي جديد لشركة طيران الخليج. لكنني على عكس ذلك، أردت أن أكتب رأيًا مخالفًا حول هذا الموضوع الذي يشغل الرأي العام، ومن زاوية مختلفة، متمنيًا أن يكون طرحي صائبا لتحقيق الأهداف المرجوة. لا يختلف اثنان على أن شركة طيران الخليج تمثل رمزًا وطنيًا مهمًا، وواجهة حضارية تعكس صورة البحرين في الخارج. كما أن الواقع يقول إن هذا الرمز ظل خلال السنوات الماضية مصدر نقاش ساخن، لكن من الإنصاف أن ندرك أن تحميل شخص واحد – مهما بلغت كفاءته – مسؤولية نجاح أو فشل شركة معقدة مثل طيران الخليج، هو تبسيط مخل للأزمة. صناعة الطيران ليست كغيرها من القطاعات، فهي شديدة الحساسية، متقلبة، ومتأثرة بعوامل لا حصر لها: أسعار الوقود المتقلبة، التحديات الفنية المرتبطة بالمحركات والطائرات، الوجهات الحساسة سياسيًا أو اقتصاديًا، والمنافسة المحتدمة من شركات إقليمية وعالمية تمتلك إمكانات هائلة. وحسب معلوماتي فإن النتائج المالية لبعض شركات الطيران الخليجية ليست إيجابية، فالحكومات عندما تدعم ناقلاتها الوطنية تدرك أن السياح سيشكلون إضافة ويسهمون بدعم الاقتصاد الوطني. هذه الصناعة تواجه تحديات جمة مثل ارتفاع أسعار النفط والخدمات اللوجستية والشحن وغيرها، ناهيك عن بعض القرارات المتعلقة بتشغيل خطوط جديدة أو إعادة تشغيلها. في هذا السياق، لا يمكن لشخص واحد أن يقلب الموازين ولا أعتقد أن أي شخص يملك العصى السحرية. ولكن قد تكون هناك حلول أخرى من وجهة نظري المتواضعة قد تسهم بشكل كبير في تحقيق الأهداف المرجوة، مثل الحوكمة، الإدارة المالية، الهندسة، التشغيل والصيانة، إدارة المخاطر، الموارد البشرية، خدمة العملاء، التسويق والعلاقات المؤسسية. وقد أثبتت تجارب شركات عالمية أن هذا هو الطريق للنجاح، حتى في أصعب القطاعات. وعلى سبيل المثال، فبعد إفلاسها وإعادة هيكلتها عام 2002، تمكنت يونايتد إيرلاينز United Airlines من العودة للربحية تدريجيًا، واستقرار مالي نسبي خلال السنوات التالية. كذلك، أعادت إير نيوزيلندا Air New Zealand تنظيم نفسها في 2001، لتعود للربحية خلال ثلاث سنوات، وتقليل الديون بشكل كبير وتحسين الكفاءة التشغيلية. ومن الإنصاف أيضًا أن نذكر أن الإدارة الحالية لم تدخل بعقلية “الفرد المعجزة”، بل جاءت ضمن فريق متكامل يقوده مجلس إدارة بقيادة رئيسها الشاب خالد تقي الذي يسعى جاهداً لإعادة توزيع الأدوار، واستقطاب قيادات جديدة من القطاع الخاص لقطاعات رئيسية. هذه العملية التي قد لا تكون واضحة للجمهور بعد، تجري بالفعل خلف الكواليس. بالطبع، نتائج هذا النوع من الإصلاحات لا تظهر بين ليلة وضحاها. هي عملية طويلة تحتاج إلى وقت لتثمر. لا شك أن بعض الأشخاص قد يفسرون هذا الطرح على أنه دفاع عن الإدارة أو عن الشركة، ولكن الحقيقة أنني لا أدافع عن أحد، ولا تربطني أية مصلحة شخصية بالشركة. فهدفي هو فقط قراءة واقعية للأمر، فلا يجب أن نحمّل الرئيس التنفيذي الجديد وزر سنوات طويلة من القرارات المتراكمة، ولا نتوقع حلولًا سحرية في قطاع عالمي معقد تتصارع فيه أكبر الشركات على البقاء. ما أتمناه هو أن يُمنح الفريق فرصة للعمل، وأن تُقيم نتائجه بعد فترة معقولة، لا بمجرد الانطباعات الأولى. النقد مشروع وضروري، لكن يجب أن يكون موضوعيًا يميز بين المسؤوليات ويعطي كل مرحلة حقها من التقييم. وكما تعلمون فإن “طيران الخليج” ليست مجرد شركة طيران فحسب، بل رمز وطني يعكس صورة البحرين أمام العالم. شخصيًّا أرى أنه من الضروري أن يتم وبشكل سريع الإعلان عن خطة عمل أو خارطة طريق واضحة المعالم (متوسطة وبعيدة المدى). كما أتمنى أن يقوم مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية بالإعلان الرسمي عن الخطة الجديدة من خلال عقد مؤتمر صحافي بهدف إطلاع الرأي العام المحلي على خطط التطوير التي تقوم بها الشركة، وهذا بحد ذاته يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح للبدء ببناء علاقة بل شراكة استراتيجية مع الجمهور من خلال الصحف المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية المختلفة. الخلاصة... نبارك لشركة طيران الخليج إعادة إطلاق رحلتها إلى نيويورك، متمنيًا أن تكون هذه الخطوة بمثابة بداية لفتح خطوط جديدة ناجحة. وفي المقابل، وفي ظل المنافسة القوية بين شركات الطيران لا ضير من إقامة تحالفات أو شراكات استراتيجية مع خطوط الطيران الأخرى لتسيير رحلاتها من مطار البحرين الدولي. كما أتمنى عودة الكثير من خطوط الطيران العالمية إلى البحرين من خلال تقديم خدمات وتسهيلات إضافية أو من خلال توفير خدمة نقل المسافرين الترانزيت. دعواتنا الصادقة لها بالتوفيق والنجاح، وللجهود الحثيثة والمضنية التي يبذلها القائمون عليها لتحقيق أفضل النتائج لهذه الناقلة الوطنية العريقة.
كاتب وإعلامي بحريني