عميد الوسطية .. في أمان الله
| نعمات مدحت
العلامة الإسلامي الدكتور أحمد عمر هاشم رحل عن عالمنا قبل أيام، كان الرحيل مباغتًا بعد عمر قضاه في محراب تطوير العلوم الإسلامية، وتنقية الخطاب الديني، وترسيخ مبادئ الوسطية والاعتدال في الفقه الإسلامي. فضيلة الشيخ أحمد عمر هاشم أحد جهابذة الأزهر الشريف وعضو هيئة كبار العلماء في المنظومة الأزهرية المباركة في مجمع البحوث الإسلامية، وفي أكثر من منبر دولي مؤثر، كانت فتاواه محل اعتبار أمته، وآرائه السديدة مركز تنوير وإشعاع وإبداع لأمة العرب والمسلمين بل ولأمة البشرية جمعاء. كان دائمًا يرى أن الله عز وجل فوق الجميع، وأن ديننا الإسلامي الحنيف أكبر من أي تسييس أو أي أيدولوجية بشرية موضوعة بعقل إنسان أحادي النظرة والهوى، ومحدود الفكر مهما كان هذا الفكر حصيفًا أو متعمقًا أو مأخوذًا، ففي النهاية نحن البشر – "وكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" – هكذا ينظر العلامة أحمد عمر هاشم للساسة المتأسلمين، وإلى هؤلاء المرتدين لعباءة الدين كي يحققوا مصالح شخصية أو مآرب سياسية أو أهواء دنيوية. كان يرى أن الإسلام أكبر، والله أكبر وأكبر، وعظمة خالقنا في أنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وقدرته في أمنه "قد خلق الأسماء كلها"، خلقها لكي تعبد الله كسائر المخلوقات، فالكل يسبح بحمده، والكل يتقي الله في خلقه، والكل يُقسم بالذي هو أقوم. هكذا كان أحمد عمر هاشم في صولاته وجولاته وبرامجه التلفزيونية، كان يرى المشاهد من قبل أن يراه، وكان يحترم عقيدته أيًا كانت هوية هذا المشهد، وأيًا كان منبره أو مكانه، لذلك تم ترجمة كتبه وبرامجه إلى عدة لغات، ولذلك كان من أكثر المفكرين الإسلاميين الأكاديميين قدرة على الربط بين النظرية والتطبيق، بين أصول الدين وصياغة الخطاب الديني، بين فقه الحديث وتعاليم تفاسيره من أمهات الكتب الموثقة المسنودة، وكان رحمة الله عليه من بين المحدثين لفقه السنة بعد الشيخ سيد سابق والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد مصطفى المراغي. إن الوسطية في الإسلام هي سفينة نوح التي أبحرت من اليم الفائض الغزير، ومن الطوفان الثائر الرهيب، إلى دنيا جديدة من التفسيرات التي تقود إلى تعميق الوعي بالمحرمات، وتأكيد الفهم لأصول الدين، وتجسير الفجوة بين الفرقاء في المذاهب والتيارات الإسلامية المتعارضة. إنه أحد الذين قادوا فكرًا نقيًا من التشوهات والإسرائيليات والبدع التي تسللت إلى الفكر الإسلامي في غفلة من المفكرين التقدميين وهؤلاء الذين تعاملوا مع الحالة وكأنها التحدي الذي يجب النأي بالأمة عنه، أمثال خالد محمد خالد والدكتور محمد عمارة، وهؤلاء الذين ادعوا التقدمية في الإسلام بارتداء ما ليس له صلة بالفتوى، وأصبحوا في غفلة عين من التأصيل والرقابة بمثابة الكتائب المارقة على قنواتنا الفضائية، فصالوا وجالوا وأفتوا من غير علم. هنا تصدى الفقيه المؤمن أحمد عمر هاشم، وهنا وقف الشيخ في مواجهة تيارات التغريب والتسييس و"الأدلجة" والفلترة، وأصبح وحده في الميدان يقاتل بسيف الإيمان، ويذود عن ديننا الإسلامي الحنيف بكل ما أتى به من علم صاغه رواد التنوير في نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين أمثال جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، وصولاً إلى المحددين لهذا الفكر على أيادي لم يمسسها الارتباك ولا الافتعال ولا حتى الافتاء من دون علم، فكانت الدكتورة عائشة عبدالرحمن "بنت الشاطئ" وكان غيرها من الزملاء الذين نبغ من بيتهم العلامة أحمد عمر هاشم حتى وافته المنية قبل أيام، ليترك لنا إرثًا مهولاً من الفتاوى والاجتهادات والأفكار النيرة المنضبطة وتلك التي تقاوم تيارات الشوشرة والتشويه لعقيدتنا الإسلامية السمحاء. ألف رحمة ونور عليك يا شيخنا، وجزاك الله كل الخير فينا على ما قدمته من فكر مستنير وإرث عظيم وصوت لا يُسكته فراق، إنه سميع مجيب، وإنا لله وإنا إليه راجعون.