غرفة الحب في فندق السعادة

| سيد ضياء الموسوي

غرفة الحب في فندق السعادة غرفة تختصر العمر والألم، وفي المنعطفات والانكسار والغياب وكذلك الرضا.  بلا حب متوازن الإنسان مرهون لأنياب القدر وسيوف الشريك وشموعه، وانقلاباته، وويل الحب إذا سقط في زنزانة مسكونًا بجراح قديمة أو صدمات معقدة؛ هنا ليس بمقدوره إلا تقديم وردة مأسورة لخنجر، وهدية تستبطن قنبلة، ولقاء أشبه بحرب لا يفوز فيها إلا الدمع؛ هنا تستحيل القبلات إلى طعنات، والذكريات إلى مؤامرة لاضطرابات، حاكمها نرجسي أو حدي أو تعلق قلق أو تعلق تجنبي… هنا يفوز الانكسار على الحب، فيكون الانتصار هو المنشار، والحنين هو  السكين، وتنتهي العلاقة إلى تلاشي الحب وتتحول اللقاءات إلى أطلال. وحدها غرفة الحب المتوازن قادرة على  ري العطش، وتهدئة المشاعر عندها يفوز الإنسان المحب في أكبر معركة خسر فيها عظماء مثل نيتشه وجان جنيه وروسو والبيركامو وفان جوغ وسارتر وأوسكار وايلد وتشايكوفسكي والقائمة تطول.  شروط الحب في الغرفة يقوم على أسس الانسجام والاحترام والالتزام، والتوافق بين الشريكين ثقافةً وعقلًا وحنين قلب متبادل ومتعة جسد متبادلة، واستقلال مالٍ بينهما مع قانون صارم بعدم الخيانة في حياة تعتمد على رافعة كبرى اسمها الصبر والرضا والقبول والتجاوز والحوار عند حدوث الاختلاف.  سقط نيتشه لأنه أحب بتعلق مرضي بفائض مشاعر. فنيتشه فيلسوف العقل لكنه طفل في مشاعره لا يفقه فن الحب. فالحب كما عرفه عالم النفس، ايريك فروم في كتاب “فن الحب” هو فن يحتاج إلى إتقان. فلا يكفي أن تحب الحب مالم تتقن مهارته تماما مثل الموسيقى فلا يكفي أن تحب الموسيقي كي تكون موسيقياً، فلابد أن تتقنها تعلما وتدريبا بمعرفة ومهارة؛ لذلك أغلب من فشلوا في الحب لا يتقنون مهارته ولا يمتلكون توازنه وسلوكه.  لا يكفي أن تكون تاجراً ناجحا أو لاعبا ماهرًا أو جنرالا في معركة كي تفوز وتنجح في علاقة حب، فالإتقان مهم كما وأن الحب مثل المادة الكيميائية إذا لم تتقن الخلطة بمقاديرها الدقيقة قد تنفجر فيك، فتشوه وجهك. والحب شرس ودقيق فقد يشوّه نفسيتك، فيقودك إلى صدمة وجودية لا تخرج منها لآخر العمر. فقد تكون عالمًا في الذرة وطفل لم يكمل الابتدائية في الحب.  تدخل الحب بأغلب الاسلحة وقد تهزم في ساحته، فكيف إذا دخلته بلا أسلحة.  الحب ثقيل وعزيز نفس ودقيق فبل تتعامل معه بإيقاع سريع أو تنخدع بمصيدة الإعجاب أو عبر تنزيل “ايليكشن” مواعدات على طريقة فاستفودية كما هو حادث اليوم حيث أصبح الحب ضمن رتم الايقاع السريع مع الحداثة المتطرفة، والرأسمالية التي عملت على تسليع كل شيء.

في مطعم العلاقات الحديث، يُقدم الحبّ كطبق جاهز: نظرة إعجاب على “سناب شات” أو ماسنجر، رسالة رومانسية تُطبق وتُنسى، هدية بسيطة تُبهر مؤقتًا، وليلة عشاء تُحكى بعدها القصص… ثم شيئًا فشيئًا، يُطفئ الشوق، وتذوب العلاقة مثل أول آيس كريم بين العاشقين في حر الصيف. وهنا يكون الاعتماد على المظاهر والهدايا بدل الاستثمار العاطفي. فالهدايا تُصبح مقياسًا لقيمة الحب: “إذا لم تهدِني ساعةً أو عطرًا أو إقامةً فاخرةً، فأنت لا تحبني.  هنا الحب يتحول إلى حسابٍ تجاري: أنا أنفق، اتبادل، أشتري، أحصل – بدل أن أبني، أهتم، أُشارك. انحدر الحب ليصبح مجرد “شو” واستعراض سيده اضطراب الشخصية الهستيرية يقوم على”ياعالَم، شوفوا حبنا”. والحقيقة قد يبدو  كبيرًا في أعينكم لكنه هش وضعيف عند إغلاق الكاميرا. إنه حب (اللايكات) والمتابعين حيث تتحول اللايكات إلى قلوب ميتة عندما يموت القلب الحقيقي في الجسد، وتتحول الإضاءة إلى عتمة، والمتابعين إلى مشيعين لجنازة العلاقة بعد أشهر أو أيام ..  فالحب يُعرض على السوشال ميديا: صورٌ، منشورات تُظهر أنّك محبوب/‏محبوبة، تُظهر الهدايا، العشاء في المطاعم الفاخرة، الاحتفال في الرحلات… وكلّ ذلك ليُقال: “انظروا كم أنا محبوب/‏محبوبة”. لكنّ فيما وراء الصور، غالبًا ما يكون العجز عن التواصل الحقيقي، أو الصمت عن الجرح، أو الخوف من الانكشاف. مع إغلاق الكيمرا يتسلل الحب من النافذة ليبكي على تمثيل الإنسان على مسرح الحياة على أقدس شيء وهو الحب.  هذا ما قدمته التكنولوجيا والسيد “الابليكشن” والإحصائيات مرعبة ومخيفة. “إحصائيات تدعم أن الحب ينهار بوجبات سريعة”.     “دراسة من Marriage Foundation (المملكة المتحدة) وجدت: الأزواج الذين التقوا عبر الإنترنت (التطبيقات) هم أكثر عرضة للطلاق في السنوات الثلاث الأولى من الزواج بنسبة ستّ مرات مقارنة بمن التقوا من خلال الأصدقاء أو العائلة أو المدارس.   - أيضًا، بعد سبع سنوات من الزواج، نسبة الانفصال بين من التقوا أونلاين كانت حوالي 17 %، مقابل حوالي 10 % لمن التقوا عبر معارف مشتركة.   - إحصائية أخرى تقول إن 52 % من الأشخاص بين عمر 18 - 34 استخدموا تطبيق مواعدة على الأقل مرة.   - أيضًا، في العلاقات التي تبدأ عبر الإنترنت تُلاحظ مخاطر كسر العلاقة مبكرًا (انفصال قبل سنة مثلا) مقارنة بالعلاقات التي تبدأ في الواقع، بسبب نقص الدعم الاجتماعي والتعرف الكافي قبل الارتباط الرسمي“. هذا ليس الحب الموجود في غرفة الحب في فندق السعادة التي طرحتها. والسؤال لماذا يفشل الحب؟ لأننا ندخل الحب بحثًا عن مستشفى يداوي جروحنا، عن صيدلية على هيأة حبيب يعطينا ريشة دواء، عن مصحة نفسية على هيأة حضن تزيل امراضنا النفسية وعقدنا لذلك يفشل الحب.  يفشل  لأننا ندخله كطفل جريح إما من أب غائب قاس أو أم بلا حنان، ندخله بصدمات طفولة أو لعلاقات سابقة فاشلة كسرت قدسية الحب أو خانته أو انقلبت عليه، فنقيم علاقة جديدة كجريح يبحث عن تطبيب جرح أو تخفيف وجع أو هروب من ذكريات تحاصرنا بانياب، وبذات غير مشبعة بحب الذات، فنزداد عطشًا، ولا ندخله بامتلاء ذاتي وفخر للأنا العليا. فرق بين أن تبحث عن حبيب أو تبحث عن طبيب. هل ساءلت نفسك تريد شريكًا أم منقذا، تريد غرفة حب أو سيارة إسعاف، تبحث عن حبيبه او أُمًّا تفتش عنها في حضن حبيبة تعويضًا عن أم نسيت أهم قيمة لها وهو الحنان أو عاشقة تبحث عن حبيب يشبه صورة الاب الدكتاتور كي يعتذر لها عن بيت كان سجنًا. .. هذا الخلط يقود إلى ذبحة صدرية للحب. فالطفل الداخلي في غرفة الحبّ ما لم يشبع سيسقط الحب، ويضيع الطفل، وتنتهي الحكاية بموت البطل وسقوط المسرح وغرق الغرفة بمطر الدموع وطوفان الخيبات.  فقبل أن تدخل غرفة الحب عليك مصالحة هذا الطفل. فالحبّ هو علاقة بين شخصين بالغين وإذا ابتدأ وكأنه بين طفلين قديمين لم يُشفيا بعد من خوفهما الأول سينهار في أي لحظة. ففي كلّ قبلة هناك يدٌ صغيرة تبحث عن الأمان، وفي كلّ خصامٍ صوتُ طفلٍ يصرخ: “لا تتركني مرّة أخرى”. فالطفل الذي لم يُحتضن… يحبّ بعنف. تقول نظرية التعلّق (Attachment Theory) لـ جون بولبي وماري أينسورث، إنّ الإنسان يتعلّم كيف يحبّ من تجربته الأولى مع الأمّ أو من يرعاه. فإذا كانت حضنًا آمنًا، تعلم أن العالم جدير بالثقة، أما إذا كانت باردة أو متقلبة، تشكّل داخله جرحًا لا يُرى، جرحًا يجعله يبحث في كل علاقة عن أمٍّ جديدة، عن دفءٍ يُعيد له إحساس الأمان الأول. هذا هو سرّ من يحبّ حدّ التعلق، ويغضب حدّ الجنون، ويخاف حدّ الهروب. ليس لأنه مريض، بل لأنّ الطفل الذي في داخله ما زال يرتجف في العتمة. يقول الطبيب النفسي  دونالد وينيكوت: “داخل كلّ إنسانٍ بالغ، طفلٌ ينتظر من يقول له: لقد كنتَ جيدًا بما يكفي”. وهذا الاعتراف هو أول دواء للعلاقات السليمة: أن نعترف أن بعض احتياجاتنا ليست من شريكنا، بل من ماضينا. فإذا كنت منكسرا فاجبر الكسر أولا وفكك أوجاع الطفولة، وتحرر منها، وطهر الجرح، واغلق ملفاتك مع أمك وأبيك وغيّر الداتا وأزل كيس الألم القابع في محيط اللاوعي، وأحب نفسك، وامتلئ بحب ذاتك ثم أدخل الحب.  فكل علاقة حبّ هي مرآة نفسية. حين نغضب من حبيبنا لأنه “يتجاهلنا”، ربما نحن في الحقيقة نغضب من أبٍ كان منشغلًا. وحين نُفتن بشخصٍ يعتني بنا بزيادة، ربما نحن نُحبّ صورة الأمّ التي فقدناها مبكرًا. لهذا يقول عالم النفس العظيم كارل يونغ: “لا تقع في حبّ شخصٍ إذا كنت ستعثر في وجهه على جزءٍ من نفسك المفقودة”. الحب لا ينقذك إذا كنت غارقًا في الوجع.  والخطر أن نظلّ نبحث عن أنفسنا في الآخرين، فنُرهقهم بمحاولاتنا المستمرة ليملأوا فراغاتنا القديمة. فلا تقم علاقة سريعة وأنت مازلت غارقا بعلاقتك القديمة ..علاقة لم تشف منها فتكون الجديدة هروبا وليس حبا مكتمل الاركان.  حينها يتحول الحبّ إلى علاقة إنقاذ لا علاقة نضج، فيحبّ الواحد من موقع المنقذ، ويحبّ الآخر من موقع الجريح، وتنتهي العلاقة حين يُشفى الجريح أو يتعب المنقذ. فمالم تصالح طفلك الداخلي فانت في طريقك للفشل.  ومصالحة الطفل الداخلي لا تتمّ بالتحليل فقط، بل بالحنان. أن نجلس معه كأمٍّ حانية لا كقاضٍ. أن نسمح لأنفسنا أن نحزن كما لم نُسمح يومًا. أن نحتضن أنفسنا في لحظة الضعف بدل أن نلومها على السقوط. من الناحية السيكولوجية، هذا ما يسمّيه دانيال سيغل بـ إعادة التكامل العصبي . أي أن نعيد وصل المناطق المنفصلة في دماغنا بين الألم والذاكرة والعاطفة، ليتوقف الماضي عن السيطرة على الحاضر. الماضي لا يرحم ويتوحم على اي علاقة جديدة ليخربها ،فحذار من علاقة جديدة والماضي لم تدفنه كتابوت في مقبرة الراحلين بقرب القلب.  وحين نصالح الطفل الداخلي، نتحرر من حاجتنا لأن يُربّينا الآخر بالحبّ. فنصبح شركاء لا أطفالاً في ثياب الكبار. وحين نحبّ من مكان الشفاء، يصبح الحبّ منحًا لا مطالبة. كارل روجرز (الأميركي، توفي 1987): أسس “العلاج المتمركز حول الإنسان”، مؤمنًا أن كل إنسانٍ يحمل في داخله بذرة الصحة النفسية. علّمنا أن الإصغاء المتعاطف هو أول أشكال الحبّ. فحين نصغي لأنفسنا بصدق، لا نحتاج لأن يصرخ طفلنا الداخلي في كل علاقة. مايا أنجلو (الأميركية، توفيت 2014): تجاوزت اعتداءات طفولتها عبر الكتابة، فحوّلت الألم إلى بلاغة. كانت تقول: “أحبّ نفسي كي أستطيع أن أحبّك دون خوف”. وهذا جوهر الشفاء العاطفي: حبّ الذات أولًا لا أنانيةً، بل تربةً للسلام الداخلي. هنا ستعرف لماذا خسر عظماء معركة الحب؟ ذلك لأن طفلهم الداخلي كان على هيئة جرح. دخلوا الحب موجوعين فخرجوا نعوش حب من غرفة كانت معطرة فأصبحت مقبرة، حاملين خيباتهم أكفانا، وانكساراتهم شهودا وقبورا وتوابيت.  فشوبنهاور خسر الحب بسبب كرهه لأم متصلبة المشاعر، وفرجينا وولف خسرته لأن جرح طفولة تحرش أخيها بها كان يخيم على الطفلة التي بداخلها، وجان جنيه خسره لأنه لم يتحرر من كراهية المجتمع  الفرنسي، لأنه كان يراه لقيطًا، أما بيتهوفن فانهزم من الحب لأن صورة أبيه القاسي لم تفارق مخيلته.  حين يُشفى الطفل الداخلي، يصبح الحبّ خفيفًا، بلا خوفٍ من الفقد. لا نحتاج أن نُختبر كل يوم لنطمئن أننا محبوبون. لا نُغلق هواتفنا لنُعاقب أحدًا على الغياب. لا نُسرف في العطاء لنثبت قيمتنا. بل نحبّ لأن الحبّ فينا أصبح فائضًا لا فقرًا.

حينها فقط، تتحول غرفة الحبّ المتوازن إلى أقدس غرف فندق السعادة، لأنها لم تعد مسرحًا للألم، بل محرابًا للوعي. فنحبّ الآخر كما يحبّ النورُ الظلَّ: لا لينفيه، بل ليُعرّفه بحدوده. فالعلاقات تراكم خيبات إن لم نتصالح مع ماض ونعيش حاضرًا ولا نقلق من مستقبل. عندما نتصالح مع أوجاعنا ستهدينا غرفة الحب في فندق السعادة أجمل حب وأشهى لقاء وأعذب فرصة عمر في الحياة بكوكتيل حياة يقوم على ثقافة حضارية، وقلب محب، وجسد جميل، ومال يوفر حظوظ المتعة بلقاء روحي يغمره الله بالسعادة دون أمراض نفسية، وبتوازن ذهبي صورُهُ:  حبًّا رائعًا، وأناقة صارخة،  وسفرًا رومانسيًّا، واستمتاع أكل لذيذ، وسهرة على ضوء القمر.  * كاتب بحريني