قيمة الفن!
| أسامة مهران
في “الأيام الخوالي” قرأت للمفكر إرنست فيشر كتابين في غاية الأهمية بعد أن أثارا جدلًا واسعًا في أوساط المثقفين. أما أحدهما فكان يحمل عنوان “ضرورة الفن”، والآخر على ما أذكر كان يتحدث عن “الفن للمجتمع” أو هكذا يهيأ لي. أيًّا كانت العناوين، ومهما تطاولت الديباجات، إلا أن الكتابين أحدثا ثورة فكرية بين صنوف المثقفين في عقد السبعينيات، انقسم الجميع مع وضد، البعض يرى أن الفن ضرورة، والبعض الآخر يرى أنه ترف لا طائل منه، البعض يؤكد أن الفن للفن وليس للمجتمع، بينما ينبري البعض الآخر ليؤكد أن الفن لابد أن يكون للمجتمع وإلا فلا طائل منه. الطرفان كانا على حق، وكانا على باطل، ذلك أنهما كانا يعتقدان أن كل طرف يمتلك الحق كاملًا، بينما يرى هذا الطرف أن ما عداه مصاب بالباطل كاملًا. هكذا كان الإقصاء الحدي مخيمًا على الواقع الثقافي السبعيني، بل على امتداد عقد الثمانينيات حتى ظهرت النظريات التي كان يطلق عليها “البنيوية” و”التفكيكية” وما بينهما من إرهاصات وانتهاكات وحوارات بلغت حد الصراع الفكري. الكارثة أنه لا الطرف المنحاز ولا نقيضه المحتج كانا يتصرفان بتجرد مثلما كان إرنست فيشر متجردًا، الأطراف جميعها كانت مصابة بما يسمى بإسقاطات التوجه السياسي على الواقع الثقافي، والجميع كان وفيًا لفكرة الولاء للانتماء الآيديولوجي أكثر من وفائه للانتماء التنويري. قيمة الفن أو ضرورته عند إرنست فيشر كانت مُنقاة من الانحياز، متعففة عن الإقصاء، متجاوزة الحكم المطلق على الآخر.
الفن ضرورة وقيمة في حد ذاته، ضرورة أي أنه لا غنى عنه، وقيمة من حيث إنه يعيد صياغة الوجود ويساهم في تشكيل الذوق العام والارتقاء به، من هنا كان لابد من إعادة نظر النخب في طرح القضية وتخليصها من تبعيتها المطلقة للآيديولوجيا الفكرية المقسمة إلى ثنائيات سياسية بين يمين ويسار، أو موافقة ومعارضة، بالأحرى بين رأسمالية وماركسية، لذا كان تفاوت المسافات بين الطريقين شاسعًا، وكانت الانتماءات منحازة بتطرف قصير النظر، لا يضع حقائق الأشياء في مكانها الطبيعي، بل كان يحاول سلخها من كنيتها والابتعاد بها إلى إعادة هيكلة مذمومة، لا تناسب أصحابها، بل إنها تتعدى على ثوابت المجتمع الطبيعي المتحرر من القيود النخبوية، والعداءات المصطنعة، الأمر الذي وضع الحكومات في الدول العربية تحديدًا في موقف لا تحسد عليه، بعد أن كانت لها اليد الطولى في رعاية الفن والثقافة والصحافة خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، الأمر الذي أدى إلى غياب المظلة الرعوية التي كان يتظلل بها المثقف ماليًا وأدبيًا، وأصبح وجود النخب المفكرة على المحك، بل إن الحياة المعيشية بدأت تلعب دورًا في إعادة تشكيل الانحيازات الفئوية، بل وإعادة هيكلة طوابير الملتحقين بالتوجهات العقائدية على أساس آيديولوجي أو سياسي أو مصلحي. لذلك، لم يكن غريبًا أن ترفع الحكومات أيديها عن دعم الثقافة والفن وحتى الصحافة، وتركت الساحة خالية تمامًا من الرقابة على المصنفات، والإدارة الحصيفة لمراكز الثقافة والمؤسسات، وأصبحت الكيانات النخبوية معتمدة في تمويلها ورعايتها بل وإدارتها على هؤلاء المنقسمين على ذواتهم وانتماءاتهم وتياراتهم السياسية والفكرية. وعندما حل عقد التسعينيات وجدنا المسارح الوطنية وقد اعتلاها الصدأ، وقصور الثقافة وقد انصرفت عن الثقافة لتعمل في مجالات أخرى، ومعارض الكتب ربما هي التي انحسرت، ذلك أنها تحمل أسماء العواصم الخالدة، والذكريات الحميمية الرائدة، والصولات والجولات التي يتزعمها بقايا الثقافة غير المنتمية، وتلك التي يتبعها منتمون أو متأرجحون ما بين الحاجة والالتزام، أو الانشغال بلقمة العيش من خلال اشتغال كثير من المثقفين بأعمال لا ترتبط بتخصصاتهم ولا دراستهم، ولا حتى هواياتهم، وأصبحوا يعملون ليلاً ونهارًا من أجل الوفاء بمتطلبات المعيشة الصعبة في الوقت الذي بح فيه صوت الأصوات المستقلة، وتلك التي ذهبت أصواتها إلى صناديق الاقتراع الدستورية محملة بأوهام الماضي، وأحلام المستقبل، و.. للحديث بقية.
كاتب بحرين والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية